يزيد بن مخلد الوسياني الحامّي، ويُعرف بـأبي القاسم (توفي سنة 358هـ/968م)، من كبار علماء الإباضية في المغرب الإسلامي خلال القرن الرابع الهجري، ومن أبرز أئمة المدرسة الوهبية في بلاد الجريد. ينتمي إلى بني تيجرت في الحامة جنوب تونس، وقد برز في علوم الأصول والكلام والفقه واللغة حتى بلغ درجة الاجتهاد، فذاع صيته بين العلماء والأمراء.
تلقّى أبو القاسم علوم الأصول وعلم الكلام على يد الشيخ سحنون بن أيوب، كما درس التفسير والفقه واللغة والأدب على يد أبي الربيع سليمان بن زرقون. ومع نبوغه العلمي، ازدادت مكانته لدى الناس، وكان إذا دخل القيروان اهتزّت المدينة لقدومه واجتمع الناس حوله يستفتونه. وقد اشتغل بالزراعة، وكانت له أرض يستأجرها، فكوّن ثروة معتبرة أنفق منها على الطلبة الوافدين من مختلف الأمصار، ومن أبرز تلاميذه: أبو محمد ويسلان بن أبي صالح.
كانت لأبي القاسم يزيد بن مخلد مكانة رفيعة لدى حكّام القيروان الفاطميين، حتى قال فيه أبو تميم: «أما يزيد بن مخلد فلم تلد العرب مثله». غير أنّ هذه المنزلة بدأت تتزعزع بعد حادثة السيف التي أثارت خوف أبي تميم، ثم ما تلاها من وشايات، أبرزها ما نقله رجل يهودي اتهم أبا القاسم بأنه يخطط للقيام على الأمير. ومع تراكم هذه الأخبار، اشتدّ شكّ أبي تميم فيه، فأصدر ثلاثة كتب متتابعة يأمر فيها بقتله.
أمّا والي الحامة، الذي كانت تربطه بأبي القاسم صداقة قديمة ومودّة راسخة، فلم يكن ميّالًا إلى تنفيذ الأمر، بل حاول إنقاذه مرارًا. فكان كلما وصله كتاب من أبي تميم يأمره بإبعاده أو قتله، واجه الأمر بالحيلة واللين؛ فنصح أبا القاسم بالخروج إلى الحج، فلما أخبره أنه حجّ من قبل، دعاه إلى إعادة الحج «للفضل»، ثم أشار عليه بالانتقال إلى بلاد يكثر فيها الإباضية، مثل العراق وخراسان وديار بكر، تجنّبًا لوقوع المكروه. لكن أبا القاسم رفض مغادرة الجريد، مصرًّا على البقاء بين قومه.
ومع وصول الكتاب الثالث الحاسم، لم يعد الوالي قادرًا على حمايته، فاضطر إلى تنفيذ الأمر. طلب أبو القاسم أن يُمهل ليركع ركعتين، فلما أتمّهما داهمته الرجال بالسلاح، فدافع عن نفسه بسكين حتى أُثخن وقُتل مظلومًا. وقد غُيّب جسده بعد مقتله، وعدّه الإباضية شهيدًا من شهداء الظلم في تاريخهم بالمغرب الإسلامي.
وكان مقتله سببًا في خروج صديقه أبي خزر يغلا بن زلتاف ليثأر له، غير أنّ ثورته لم تُوفّق.