تشتمل مدينة طرابلس على عدد كبير من الخانات، يعود بناء أغلبها إلى عصر المماليك. والخان عبارة عن بناء كبير يتألّف من طابق أو طابقين، يضمّ حجرات ومستودعات عديدة، ويكون مخصّصًا لنوعٍ معينّ من التجارة أو لأنواع مختلفة منها، وقد يخصّص أحيانًا لأغراض غير تجارية كأن يكون مكان إقامة للسيّاح كالفنادق وما شابه، أو لإقامة العسكر كما هي الحال مع خان العسكر. فخان العسكر الذي شيّد في عهد المماليك، وتحديدًا في أواخر عصر دولة المماليك البحريّة، ما بين أواخر القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر، يقع في محلّة الدبّاغة (محلّة اليهود قديمًا)، وهذا أمر طبيعي، فالخانات عادة كان يتمّ بناؤها بجوار الأسواق والحمّامات. ويعدّ أكبر خانات طرابلس على الإطلاق، إذ تبلغ مساحته 5125 مترًا مربعًا. وقد استخدمه المماليك كثكنة عسكرية، من هنا جاءت تسميته بخان العسكر، ويعود استخدامه لأغراض عسكريّة نظرًا لموقعه الاستراتيجي المهمّ.
يُذكر أنّ ثمّة أقسامًا أضيفت إلى الخان في العصر العثماني، وكانت له وظيفة تجارية على مدى 350 عامًا. ثم تحوّل إلى ثكنة عسكرية عثمانية في عهد السلطان العثمانيّ عبد العزيز، فكانت تحشد فيه الجيوش العثمانية قبيل الحرب العالمية الأولى استعدادًا لها. ويشير ختم أو شعار السلطان المنقوش على الباب الشرقي للخان إلى أنه شيّد من جديد سنة1873 م. یتکوّن خان العسكر من مبنَيين متطابقَين متلاصقَين يشكّلان بناءً مستطيلًا تتوسّطه بركة ماء. ويدور كلّ منهما حول صحن مستطيل بداخله حوض للسقاية، وتنفتح على الصحن أبواب معقودة، عقودها منكسرة من النوع الشائع في عمارة المماليك. وأهمّ العناصر المعماريّة فيه بوّاباته بعقودها المدبّبة ذات السنجات الزنبقيّة. وفي الواقع أنّ كلّ بناء يشكّل خانًا مستقلًّا بذاته من حيث التخطيط، فتحيط بكلّ منهما طبقتان تطلّ أقبيتها السفلى وغرفها العليا على الفناء من خلال أروقة معومدة .
خان العسكر خان فخم، يحتوي في داخله على زخارف، وله ثلاثة مداخل، يقع المدخل الرئيس في الجهة الشرقية المؤدّية إلى السوق القديمة، وهذه الجهة تحمل ملامح مملوكية، في حين تحمل الواجهة الغربيّة ملامح عثمانية. وهو يحتوي على سبعين غرفة وخمسة وستين مخزنًا، وقد خصّصت طبقته الأرضيّة للدواب وعلفها، في حين خصّصت الطبقة الأولى للتجار الوافدين من مناطق شتّى، ويتّصل مبنيا الخان بممرّ مقبّب على نطاق ضيّق. يُذكر أنّ خان العسكر قد أهمل لفترات طويلة، وبقي مهجورًا إلّا من بعض عابري السبيل، إلى أن تمّ ترميمه في العقدَين الماضيين، فخصّصت الطبقة الأرضية منه للمستودعات وبعض الحرف اليدوية مثل جلخ السكاكين، وصناعة الأحذية، وصناعة المفروشات أو تقشيش الكراسي وغيرها.
تجدر الإشارة إلى أنّ هذا الخان يعدّ أقدم أثر مملوكيّ في طرابلس، ويحمل الرقم 33على لائحة الجرد التاريخيّ. هذا مع العلم إلى أنّ طرابلس كانت تضمّ ستة وعشرين خانًا، في حين تشير بعض المصادر إلى أنّ عددها أربعون خانًا، ولكنّ الخانات المتبقّية حاليًا من الحقبتَين المملوكية والعثمانية هي خمسة: خان العسكر، خان الصابون، خان الخياطين، خان المصريين وخان التماثيلي. أما بقية الخانات فقد أهملت واندثرت.
المراجع