التسارُعيّة (Accelerationism) طيفٌ من الأيديولوجيّات يدعو إلى توظيف الرأسماليّة وما يتّصل بها من عمليّاتٍ من أجل إحداث تحوّلاتٍ اجتماعيّةٍ جذرية. وعلى وجهٍ عامّ، تنخرط التسارُعيّة في معاداةِ الإنسانيّة (antihumanism) وما بعد الإنسانيّة (posthumanism)، وتسعى إلى تعجيلِ النزعاتِ المرغوبة داخل الرأسماليّة على حسابِ نزعاتها السلبيّة، وإن كانت تبايناتها شديدةً في تحديدِ أيّ النزعات ينبغي تسريعُها، وفيما إذا كان ذلك سيُفضي إلى ما بعد الرأسماليّة أم إلى مزيدٍ من التوغّل فيها.
نشأت التسارُعيّة من أفكارِ فلاسفةٍ مثل جيل دولوز (Gilles Deleuze) وفيليكس غوتّاري (Félix Guattari)، اللذين تخيّلا في سبعينيّات القرن العشرين أنّ القوى التحرّرية الكامنة في الرأسماليّة - ولا سيّما «الانتزاع» (deterritorialization) - يمكن راديكلتُها وتوجيهُها ضدّ الرأسماليّة وجوانبها القمعيّة. واستلهامًا لهذه الأفكار، أسّس بعضُ أساتذةِ جامعة ورويك وطلبتِها في تسعينيّات القرن العشرين جماعةً فلسفيّة عُرفت باسم «وحدة أبحاث الثقافة السيبرنيتيّة»، وقادها نيك لاند (Nick Land). وقد استند لاند وCCRU إلى وسائط وثقافاتٍ معاصرة - مثل السايبربانك (cyberpunk) وموسيقى الجنغل (jungle music) - لزيادة تطويرِ هذه الأفكار في اتجاهٍ يمينيٍّ مُناصرٍ للرأسماليّة. ونظّروا لرأسماليّةٍ «تُثوّرُ ذاتَها» وتبلغ ذروتَها في «تفرّدٍ تقنيّ» (technological singularity)، بحيث تتجاوزُ فيهُ الذكاءاتُ الاصطناعيّةُ البشرَ ثمّ تُزيلُ الإنسانيّةَ من الوجود، غير أنّهم انزاحوا لاحقًا عن هذه التصوّرات وانحلّت الجماعة بحلولِ العقد الأوّل من الألفيّة.
وفي عقدِ 2010، اصطلح بنجامين نويز (Benjamin Noys) على تسميةِ هذا التيّار «التسارُعيّة» في عملٍ نقديّ، ثمّ تلا ذلك تجدّدُ الاهتمام بأفكاره. ودافع مفكّرون مثل نِيك سرنيتشيك (Nick Srnicek) وأليكس ويليامز (Alex Williams) عن تسارُعيّةٍ يساريّة تقوم على احتضانِ التكنولوجيا والبنية التحتيّة الرأسماليّتَين لتجاوزِ رأسماليّةٍ راكدةٍ ومتعطّلة، واستكشافِ موضوعاتٍ من قبيل أتمتةِ العمل. وقد ارتبط هذا بنزعاتٍ تُسمّى «البروميثيّة» (Prometheanism)، التي تنخرط في أفكارٍ مثل العقلانيّة، وما بعد الإنسانيّة، ورفضِ القيود على التغيير. أمّا لاند، وبعد انتقاله إلى الصين، فقد انخرط أيضًا في حركة «التنوير الحالِك» (Dark Enlightenment) بوصفها جزءًا من تسارُعيّته اليمينيّة، رافضًا المساواتيّة والديمقراطيّة لصالحِ دولٍ تُدار على طريقةِ المدير التنفيذي (CEO-run states) من أجل دفعِ «التفرّد» قُدُمًا. وظهرت «التسارُعيّة الفاعلة» (Effective accelerationism) متأثّرةً بـ«الإيثار الفعّال» (effective altruism) لتشجيعِ التقدّم التكنولوجي و«الذكاء الاصطناعي العام» (artificial general intelligence) بغيةَ حلّ المشكلات الإنسانيّة وبلوغِ «سُلَّم كارداشيف».
ثمّ تفرّعت للتسمية معانٍ أخرى شتّى، مثل الدعوة إلى تفاقمِ الرأسماليّة لتسريعِ الثورة عليها، وكذلك توظيفُها من قِبلِ متطرّفين من أقصى اليمين يروّجون للعنف العِرقي وانهيارِ المجتمع بغيةَ إقامةِ «دولةٍ إثنيّةٍ بيضاء» (white ethnostate).