آشور هي حضارةٌ قديمةٌ وإحدى أعظم حضارات بلاد الرافدين إذ امتدَّ تاريخُها من القرن الحادي والعشرين إلى القرن السَّابع قبل الميلاد. تمكَّنت آشور انطلاقًا من قلبها التاريخي في شمال العراق أن تمدَّ حُكمها على مُعظم أرجاء غرب آسيا وبالتالي العالم القديم برُمَّته في ظل إمبراطوريَّة موحدة. يصفُها المُؤرخون بأنها أول قوة عُظمى حقيقيَّة في تاريخ الإنسانيَّة؛ إذ أرست من الأُسُس السياسيَّة والعسكريَّة والإداريَّة ما غدا نموذجًا تحتذي به الإمبراطوريَّات اللَّاحقة، وكانت سبَّاقة إلى ابتكاراتٍ ومُنجزاتٍ كُبرى تمثَّلت في إنشاء أوائل المكتبات، وإرساء تقاليد الحفظ المنهجي للمعرفة وتراكُمها على نطاقٍ واسعٍ وصقل فُنُون إدارة الدولة وترسيخ نظام الحُكم المركزي وتطوير المنظومة البيروقراطيَّة والارتقاء بِفُنُون الحرب والتنظيم العسكري إلى جانب توظيف الدعاية السياسيَّة وإبداع روائع الفن والعمارة، حتى غدت حضارتها إحدى الركائز التي نهض عليها التُراث الإنساني. ويمتدُّ التاريخ الإمبراطوري الآشوري من فجر العصر البرونزي إلى خاتمة العصر الحديدي مُجسدًا مسيرةً تاريخيةً بدأت بمُدُنٍ أكديَّة في شمال العراق ثم ما لبثت أن أخذت تنمو وتتسع عبر القُرُون حتى بلغت ذروة مجدها لتغدو أكبر إمبراطوريَّة شهدها العالم حتى ذلك العهد قبل أن تنتهي إلى الأفُول والانهيار. ويجري تقسيم هذا التاريخ في الدراسات المُعاصرة إلى خمس مراحل رئيسيَّة: العصر الآشوري المبكر والعصر الآشوري القديم والعصر الآشوري الوسيط والعصر الآشوري الحديث وانتهاءً بمرحلة ما بعد الإمبراطوريَّة. ولئن انقضى سُلطان الإمبراطوريَّة الآشوريَّة فإن الإرث الآشوري لم ينقرض بِزوال دولته؛ بل ظلَّ حاضرًا على مسرح التاريخ حتى يومنا بتأثيره الثقافي العميق وميراثه الغني.
تأسَّست مدينة آشور (في شمال العراق) أولى عواصم الآشوريين نحو عام 2600 ق.م غير أن الشواهد التاريخيَّة لا تشير إلى أنها تمتَّعت باستقلالها السياسي إلا عقب انهيار الإمبراطوريَّة السومريَّة في القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد حين اعتلى العرشَ سلالةٌ من الملوك المُستقلين استهلها الملك «پوزور آشور الأول» لتبدأ بذلك أولى مراحل الحُكم الآشوري المُستقل. وانطلاقًا من قلب آشور في بلاد الرافدين العليا شهدت الدولة الآشوريَّة مسيرةً مُتقلِّبة، تعاقبت فيها فترات القوة والانحسار، كما خضعت بلاد آشور في بعض المراحل لهيمنة قوى أجنبيَّة، قبل أن تستعيد مجدها مع صُعُود الملك «آشور أوباليت الأول» في أوائل القرن الرابع عشر قبل الميلاد إيذانًا بقيام الإمبراطوريَّة الآشوريَّة الوسطى. وخلال العصرين الآشوري الوسيط والحديث، غدت آشور، إلى جانب بابل في الجنوب، إحدى القوَّتين الرئيسيَّتين في بلاد الرافدين، بل إنها استطاعت في أزمنةٍ مُتعددةٍ أن تتبوأ مكانة القوَّة المُهيمنة في أرجاء الشرق الأدنى القديم بأكمله إلى أن بلغت آشور ذروة عظمتها في العصر الآشوري الحديث، حين غدا جيشها أكبر قوة عسكريَّة عرفها العالم آنذاك وأقام الآشوريون أوسع إمبراطوريَّة شهدها التاريخ البشري حتى ذلك العصر إذ امتدَّت حُدُودها من عُمق الأراضي الإيرانيَّة الحاليَّة شرقًا إلى مصر غربًا لتفرض سُلطانها على رُقعةٍ شاسعةٍ لم يسبق أن اجتمعت تحت راية دولةٍ واحدةٍ من قبل.
شهدت الإمبراطوريَّة الآشوريَّة الحديثة أفُولها في أواخر القرن السَّابع قبل الميلاد بعدما أنهكتها حقبةٌ من الاضطرابات الداخليَّة والحُرُوب الأهليَّة التي أضعفت أركان الدولة ومهَّدت الطريق لسُقُوطها. وقد تمَّ هذا السُقُوط على يد تحالفٍ ضمَّ البابليين، الذين كانوا من أكبر شُعُوب بلاد الرافدين وقد شكَّلوا المُعارضة الداخليَّة للحُكُم الآشوري، إلى جانب الميديين الذين كانوا فيما مضى من التابعين للآشوريين، فضلًا عن الإصقوث. وعلى الرُغم من أن القلب الحضري لبلاد آشور تعرَّض لدمار واسع خلال مرحلة انهيار الإمبراطوريَّة الآشوريَّة، فإنه لم يُمحَ محوًا كاملًا. كما أن الإمبراطوريَّة البابليَّة الحديثة التي أعقبت آشور أعادت إعمار المُدُن الآشوريَّة وإحيائها في عهد الإمبراطور البابلي «نبونائيد» الذي ينحدر من أُصُول آشوريَّة من جهة والدته. ومع ذلك، لم يؤدِّ انهيار الإمبراطوريَّة إلى اندثار الحضارة الآشوريَّة؛ إذ ظلَّت ثقافتُها العريقة وتقاليدُها الرَّاسخة حيّةً ومُتوارثةً عبر قُرُون طويلٍة من العصر الذي أعقب زوال الإمبراطوريَّة. وعرفت آشور طورًا من التعافي في العُصُور اللَّاحقة؛ إذ شهد العصر الكلاسيكي على وجه الخُصُوص قيام عدد من الممالك الآشوريَّة التي ازدهرت بين القرن الثاني قبل الميلاد ومُنتصف القرن الثالث الميلادي. غير أن هذا الانتعاش لم يدُم طويلًا إذ عادت البلاد إلى طورٍ جديدٍ من التراجُع في عهد الدولة الساسانيَّة بعد قُرُون، حين اجتاح جيشُها عددًا من المُدُن والأقاليم العراقيَّة شبه المُستقلَّة وكان من بينها ممالك آشوريَّة، ولم تنجُ من ذلك حتى مدينة آشور نفسها، التي كانت يومًا مهد الدولة ورمز مجدها الخالد.
لم يكُن ازدهار آشور القديمة ثمرةَ بأس مُلُوكها المُحاربين وحده، بل كان أيضًا حصيلة ما امتازت به من قُدرة فائقة على استيعاب الأراضي المفتوحة وإحكام إدارتها عبر منظومة إداريَّة مُبتكرة ومُتقدمة، اتسمت بالكفاءة والتنظيم والدقة. وقد أسهم هذا التفوق في ترسيخ دعائم إمبراطوريَّة مُترامية الأطراف، استطاعت أن تفرض سُلطانها على شُعُوب شتى، مع الحفاظ على تماسُكها السياسي والإداري عبر أزمنة طويلة. ولم تقتصر ريادة آشور على ميادين الفتح والتوسُع، بل امتدَّت إلى تطوير أساليب الحُكم وفُنُون الحرب، إذ غدت النُظُم الإداريَّة والعسكريَّة التي أرستها نموذجًا احتذت به الإمبراطوريَّات والدول اللَّاحقة على مدى قُرُون، فكان أثرُها عميقًا في تطور فُنُون الإدارة الإمبراطوريَّة والتنظيم العسكري في العالم القديم. وإلى جانب إرثها السياسي والعسكري، خلَّفت آشور القديمة تُراثًا حضاريًا بالغ الأهميَّة، تجلَّى بأوضح صوره في العصر الآشوري الحديث، وترك بصمةً راسخة في الموروثات الأدبيَّة والدينيَّة اللَّاحقة، ولا سيَّما في التقاليد الآشوريَّة، والإغريقيَّة الرومانيَّة، والعبرانيَّة، حيث ظلَّ صدى مُنجزاتها وحُضُورها التاريخي يتردَّد في الذاكرة الثقافيَّة والحضاريَّة لقُرُون طويلة.