فهم حقيقة وفاة بيوتر إليتش تشايكوفسكي

انقسم الباحثون الموسيقيون في روسيا وخارجها مراراً وتكراراً حول موضوع وفاة المؤلف الموسيقي الروسي بيوتر إليتش تشايكوفسكي، الذي فارق الحياة في 6 نوفمبر عام 1893. وقد أدى هذا الملف إلى انقسامهم إلى معسكرين متناحرين: الأول يدعم الرواية الرسمية التي تؤكد وفاة المؤلف بسبب الكوليرا، استناداً إلى ذكريات معاصريه وما نشرته الصحافة في سانت بطرسبرغ خريف عام 1893؛ والثاني يتبنى فرضية الانتحار، وهي رواية تستند إلى مرويات شفهية وتكهنات.

في 6 من نوفمبر عام 1893 [25 أكتوبر بالتقويم القديم]، وبعد تسعة أيام من العرض الأول لسيمفونيته السادسة (Pathétique)، توفي بيوتر إليتش تشايكوفسكي في مدينة سانت بطرسبرغ عن عمر ناهز 53 عاماً. وقد أُعلن أن الكوليرا هي السبب الرسمي للوفاة، والتي يُرجح أنه أصيب بها نتيجة شربه ماءً ملوثاً غير مغلٍ قبل عدة أيام من رحيله. ورغم أن هذه الرواية وجدت طريقها إلى بطون كُتب سيرة المؤلف، إلا أن علامات الاستفهام بدأت تحوم حول هذا التشخيص منذ اللحظة التي سكنت فيها أنفاسه.

وقد تصاعد الاهتمام الشعبي والعالمي بهذه القضية في ثمانينيات القرن العشرين، عقب نشر سلسلة مقالات في الولايات المتحدة للمؤرخة الموسيقية المهاجرة ألكساندرا أورلوفا. من جانبه، طرح الباحث الموسيقي الأمريكي المتخصص في الموسيقى والباليه الروسي في القرن التاسع عشر، رولاند جون وايلي، في كتابه "تشايكوفسكي" الصادر عن دار نشر جامعة أكسفورد عام 2009، فرضية أخرى تشير إلى أن الوفاة كانت نتيجة "تراكم مجموعة من العوامل السلبية" المرتبطة بنمط حياة تشايكوفسكي خلال سنواته الأخيرة، والتي تفاقمت بسبب إصابته بنزلات معوية حادة (Gastric Catarrh) كان قد شُخص بها بالفعل.

ترك أقارب المؤلف وأصدقاؤه مذكرات تفصيلية حول وفاته، كما كانت الصحف تنشر يومياً في أكتوبر 1893 تقارير عن الحالة الصحية لتشايكوفسكي. وعلى مر العصور، نشر علماء الموسيقى وخبراء الثقافة والمؤرخون كتباً ومقالات حول هذا الحدث المأساوي. ولم تقتصر محاولات تحديد أسباب الوفاة على الإنسانيات، بل شملت ممثلي العلوم الطبيعية؛ مثل البروفيسور وخبير الميكروبيولوجيا نيكولاي بلينوف في دراسته "المرض الأخير ووفاة ب. إ. تشايكوفسكي: ما قبل وما بعد المأساة" (1994)، والطبيبة النفسية زينايدا أغيفا في كتابها "تشايكوفسكي: العبقرية والمعاناة" (2019).

أصبح التسلسل الزمني الفاصل بين شرب تشايكوفسكي للماء، وتوقيت ظهور الأعراض، محلاً للشك والتساؤل. وكيفية حصوله عليه في مطعم راقٍ خلال وباء الكوليرا الذي فُرضت فيه لوائح صحية صارمة. وبينما كانت الكوليرا تصيب كافة طبقات المجتمع الروسي، إلا أنها كانت تُعتبر مرضاً يخص الطبقات الدنيا؛ لذا كانت الوصمة الناتجة عن وفاة شخصية مثل تشايكوفسكي بهذه الطريقة كبيرة، لدرجة أن احتمال حدوثها كان أمراً غير قابل للتصديق بالنسبة للكثيرين. كما تم التشكيك في دقة التقارير الطبية الصادرة عن الطبيبين اللذين عالجا تشايكوفسكي، وخضع التعامل مع جثته أيضاً للتمحيص، حيث ذُكر أن الإجراءات لم تكن متوافقة مع اللوائح الرسمية الصارمة المفروضة على ضحايا الكوليرا. وقد أشار نيكولاي ريمسكي-كورساكوف إلى هذه المفارقات في سيرته الذاتية، برغم أن بعض الطبعات خضعت للرقابة وحُذف منها هذا القسم.

وسرعان ما بدأت تظهر على السطح نظريات تزعم أن وفاة تشايكوفسكي كانت انتحاراً. وتراوحت الافتراضات بين كونه تصرفاً متهوراً من جانب المؤلف نفسه، وبين أوامر مباشرة من القيصر ألكسندر الثالث، فيما تباين ناقلو هذه الروايات بين أفراد من عائلة تشايكوفسكي والمؤلف ألكسندر غلازونوف. ومنذ عام 1979، اكتسبت إحدى روايات هذه النظرية بعض التأييد؛ وهي تزعم فرض "حكم بالانتحار" صادر عن "محكمة شرف" عقدها زملاؤه القدامى من خريجي "المدرسة الإمبراطورية للحقوق"، كإجراء توبيخي بسبب ميوله الجنسية. ومع ذلك، يظل سبب وفاة تشايكوفسكي محل نزاع شديد، وقد لا تظهر الحقيقة الفعلية أبداً إلى العلن.

انعكست وفاة المؤلف بشكل واسع في الأدب الروائي، والعمل الصحفي، والسينما، وحتى في المسرح الأوبرالي. ومن أبرز الأعمال التي تناولت هذا الموضوع بعمق وإثارة، فيلم المخرج البريطاني المثير للجدل كين راسل "عشاق الموسيقى" (The Music Lovers, 1971)، وفيلم "وسط صخب الكرة" (Es war eine rauschende Ballnacht, 1939) الذي أخرجه كارل فروليش في ألمانيا النازية، كما تناول الكاتب الألماني كلاوس مان تفاصيل وفاة تشايكوفسكي في روايته "بيتر إليتش تشايكوفسكي: السيمفونية الباتيتيكية" (Symphonie Pathétique, 1935).

قراءة المقال الكامل على ويكيبيديا ←