مملكة كِندة (خط المسند:𐩫𐩵𐩩) – (نحو 200.م – نحو 530م): هي مملكة عربية قديمة قامت في وسط إقليم نجد، وكان ملوكها من قبيلة كندة. ويعود أقدم ذكر صريح لملوكها إلى مطلع القرن الثالث الميلادي على أقل تقدير، حين تظهر كندة في النقوش العربية الجنوبية بوصفها كيانًا سياسيًا له ملوك، وكان مركزهم قرية ذات كاهل (قرية الفاو). وأدت كندة دورًا بارزًا في تاريخ وسط الجزيرة العربية خلال القرون السابقة للإسلام، ولا سيما في علاقاتها بممالك جنوب الجزيرة والقبائل العربية في نجد وما وراءها.
كانت قبيلة كندة ضمن مملكة قحطان، ثم تولّت في مرحلة متأخرة، رئاسة المملكة. وبعد سقوط مملكة قحطان، شكّلت كندة اتحادًا مع مذحج، وتداول الطرفان التاج فيما بينهما، إلى أن استقر في كندة. وفي عهد أبي كرب أسعد وحجر آكل المرار، بسطت كندة سلطانها على عدد من القبائل، في مقدمتها معد، وعلى أقاليم متباعدة بدرجات متفاوتة، وتولّت أسر من كندة حكم أجزاء من هذا الاتحاد. ويبدو أن سلطان ملوك كندة لم يكن مماثلًا للسلطة المركزية في الممالك المستقرة، بل اعتمد بدرجة كبيرة على مكانة الملك وتحالفاته وقدرته على جمع القبائل والمحافظة على ولائها.
كان أغلب كندة وثنيين في المراحل المبكرة من تاريخهم، وقد اكتُشف في عاصمتهم الأولى قرية الفاو عدد من النقوش المسندية بلغة اصطلح بعض اللسانيين على تسميتها «شبه السبئية»، مع اشتمالها على سمات لغوية عربية، من أبرزها أداة التعريف «الـ» وغيرها من الظواهر التي تقرّبها من العربية الفصحى. وفي العصور اللاحقة، تشير المصادر إلى وجود اليهودية بين بعض جماعات كندة، كما شارك أعراب كندة ضمن جيش الملك الحميري يوسف أسأر في حملته على نجران سنة 523م. وهناك أيضًا دلائل على اعتناق بعض جماعات كندة في شمال الجزيرة العربية المسيحية. وبحلول الثلث الثاني من القرن السادس الميلادي، تمكّنت قبائل معد الثائرة في نجد والحجاز من التغلب على ملوك كندة وإنهاء سلطانهم على معظم القبائل التي كانت خاضعة لهم، فتفككت المملكة إلى عدد من الإمارات التي حكمتها فروع من كندة، واستمر بعضها إلى قبيل الإسلام.
وبحسب الدراسة التي خصصها المستعرب الفرنسي كريستيان جوليان روبان لملوك كندة (2012)، ينقسم تاريخ المملكة إلى طورين متمايزين: طور أول في القرن الثالث الميلادي تشهد له نقوش سبئية وحميرية تذكر ثلاثة ملوك يحملون لقب «ملك كدت» ومقرهم قرية ذات كاهل (قرية الفاو)؛ وطور ثانٍ في القرنين الخامس والسادس، حكمت فيه الأسرة الحجرية (بنو آكل المرار) اتحاد معد القبلي في بادية شمال الجزيرة نيابةً عن ملوك حمير. ويرى روبان أن كندة كانت على الدوام قبيلة قوية على أطراف اليمن، نجحت في ضم قحطان ومذحج وعلى الأرجح مراد تحت زعامتها، وأنها هي التي كانت تمد ملوك حمير بالقوات العربية المساعدة اللازمة لفتح البادية، وأن ملوكها هم من تولى إدارة المناطق المفتوحة.
شكّل مقتل الحارث بن عمرو الكندي نقطة تحوّل في تاريخ مملكة كندة؛ إذ لم تلبث الوحدة السياسية التي أقامها في وسط الجزيرة العربية وشمالها أن تفككت، وتوزع أبناؤه خلال ثلاثينات القرن السادس الميلادي على قبائل وأقاليم مختلفة. وتفيد المصادر البيزنطية بأن الحارث، إثر خلاف نشب بينه وبين ديوميدس دوق فلسطين، غادر الأراضي الرومية واتجه نحو داخل الجزيرة العربية، فتعقبه المنذر بن امرئ القيس ملك الحيرة، وتمكن من أسره وقتله فيما بين سنتي 528 و530م تقريبًا. وكان لمقتله أثر في العلاقات الرومية العربية؛ إذ وجّه الإمبراطور جستينيان الأول حملة عسكرية ضد المنذر ردًا على مقتله.