ينتشر في أنحاء مدينة طرابلس عدد من الخانات التي لعبت دورًا اقتصاديًا مهمًّا، باعتبارها موقعًا لبيع وشراء البضائع وتخزينها. فالخانات كانت مجالًا لنشاط التجّار المحليّين كما الوافدين من المناطق المجاورة أو المدن القريبة والبعيدة، واستقبال بضائعهم على أنواعها. الخان عبارة عن بناء كبير من طابق أو أكثر، يشتمل على حجرات ومستودعات عديدة، ويتخصّص عادة بنوع معيّن من التجارة أو أنواع مختلفة منها. وكانت الخانات بغالبيّتها تقع بجوار الحمّامات والأسواق.
تشير الوثائق التاريخيّة والسجّلات الشرعيّة إلى أنّ خانات طرابلس يعود بناء أغلبها إلى عصر المماليك، وأنّ عددها قد بلغ الأربعين خانًا، وهذا، إن دلّ على شيء، فهو يدلّ على الدور الاقتصادي المحوريّ الذي كان لطرابلس في المنطقة. أقدم خانات المدينة هو خان الخيّاطين، بل هو أشهرها وأجملها، وقد سمّاه البعض "خان الحريريين"، وربما كان "نزلًا" للإفرنج. يعدّ خان الخيّاطين كنزًا أثريًّا مهمًّا ومعلمًا بارزًا من معالم المدينة التراثيّة. يعود تاريخ بنائه إلى ما قبل عصر المماليك، فبعض المؤرّخين يعيده إلى القرون الوسطى، ولكن لا توجد أيّ وثيقة تاريخيّة تؤكّد تاريخ بنائه، علمًا أنّه عثر عند بابه الغربيّ على آثار بيزنطيّة.
تشير بعض الروايات التاريخيّة إلى أنّ الأمير بدر الدين قد بناه قبل عام 740 هـ، وتتصل عمارته بعمارة حمّام عزّ الدين وخان المصريين، بحيث تؤلّف معًا جانبًا من المدينة التجارية. في حين أنّ بعض المؤرّخين ذكروا أنّ الخان قد اشترك في بنائه أميران من أمراء المماليك الشراكسة هما جمال الدين وشمس الدين، وأوقفاه لمصلحة البميارستان مع أملاك أخرى، وجعلاه سوقًا لها بابان، وفي أعلاه غرف للأجرة. وخان الخيّاطين أشبه بدرب مقفل يبلغ طوله نحو 50 مترًا، يتميّز بوجود صفّين من العقود الجانبيّة، ويقطع الدرب من الأعلى عشرة عقود عرضيّة أشبه بالقناطر، ولا يغطي هذه العقود سقف.
الخان متخصّص بالخياطة والأزياء الطرابلسيّة والوطنيّة والعربيّة، التي نالت شهرة عالميّة في العصور الوسطى، ولا تزال إلى الآن تنال إعجاب السائحين والزائرين، خاصة العباءات المميّزة، أي إنّ الخان ليس مكانًا تجاريًا فقط، بل يقوم بوظيفة المصنع والسوق معًا، فالثياب كانت تحاك فيه وتباع بالجملة على التجار لتوزيعها.
خان الخياطين، الذي لا يزال قائمًا حتى اليوم، تمّ ترميمه أوّل مرّة عام 1992، لجهة تأهيل البنى التحتيّة وطلاء البناء ورصف الأرضيات، ثم عام 2007 وذلك بتمويل من وكالة التعاون الدوليّ الإسبانيّ.
المراجع