فهم حقيقة جامع طينال (طرابلس)

يعدّ جامع طينال من أهمّ مساجد طرابلس وأجملها وأفخمها على الإطلاق بعد الجامع المنصوريّ الكبير. يقع جنوبي المدينة على مقربة من باب الرمل وسط البساتين التي تحيط بالمدينة. يسمّيه العامّة "طيلان" وهو تحريف لطينال اسم صاحب هذا الجامع. وتسميته تعود إلى الأمير سيف الدين طينال عبد الله الناصريّ، الذي كان من مماليك الملك الناصر محمد بن قلاوون. عمل نائبًا لغزّة، ثم نائبًا لصفد، ثم نائبًا لطرابلس. وقد شيّده على أنقاض كنيسة صليبيّة مهدّمة بعد فتح طرابلس، ظلّت مهجورة إلى أن قام سيف الدين طينال بتحويل أنقاضها إلى جامع سنة 736هـ - 1336 م، علمًا أنّ تاريخ إنشاء المسجد مسجّل في النقش الكتابي الذي يعلو بابه: "شهر رجب سنة 736 هـ".

ويشير بعض المؤرّخين إلى أنّ الجامع قد احتلّ المكان الذي قام عليه معبد روماني، حيث كانت الأعمدة وقواعدها وتيجانها ما تزال قائمة في مكانها عند بناء الجامع . يتميّز هذا الجامع المملوكيّ بزخارفه الرائعة، ما يجعله يضاهي أجمل جوامع القاهرة ودمشق، علمًا أنّ عناصره المعماريّة أقرب إلى مساجد القاهرة منها إلى مساجد دمشق. بناء الجامع مستطيل الشكل، عبارة عن حرمَين، أعلاهما مقفل. ويتألّف من بيتَين للصلاة، بينهما بوّابة من الرخام، بحيث تعدّ بحقّ تحفة فنّية بهندستها وزخارفها وكتاباتها وألوانها.

يبلغ طول هذه البوّابة مترين، يعتبرها البعض من أجمل بوّابات مساجد طرابلس وأفخمها. فهي مزيّنة بالحجارة البيضاء والسوداء، وهي ملتصقة بقاعدة القبّة القبلية بالمسجد، وتؤدّي إلى ضريح طينال. كما تتوسط العتبة التي تعلو البوّابة زخرفة مميّزة، وفوقها مثلّث عليه نقوش. يتمّ الدخول إلى الجامع من بابه الشرقي المطلّ على الصحن الخارجي. وعند المدخل، يبرز عمودان من الغرانيت على اليمين وعلى اليسار. وهما عمودان مرکزيان يقوم عليهما عقدان من النوع الرابط الشائع في العمارة ذات الطراز القوطي. وأغلب الظن أنّ هذين العمودين وتاجيهما يعودان إلى الكنيسة المهدّمة . ويفضي الباب إلى صحن الجامع المستطيل الشكل من الشمال إلى الجنوب. وفي أقصى الشمال من الصحن إلى اليمين، توجد بركة مربّعة الشكل مخصّصة للوضوء، تقوم على إيوان مرتفع عن أرضية الصحن.

أمّا في الجهة الغربية من الصحن، فهناك أربع قناطر لأربع قاعات متجاورة. كانت مخصّصة لمجالس القضاة الأربعة في طرابلس في عصر المماليك، على المذاهب الأربعة: الشافعي، الحنفي، المالكي والحنبلي. وفي الجهة الشرقية، توجد غرفة صغيرة أقيمت على قنطرة، وبجوارها من ناحية الجنوب توجد بئر. وبالعودة إلى بيتَي الصلاة، فإنّ البيت الأول يضمّ أعمدة من الغرانيت تمّ إحضارها من مصر الفرعونية، وتيجانًا رخامية كورنثية تعود إلى العصر البيزنطيّ، وعقودًا وقبابًا رملية مملوكية. ويبلغ طول هذا البيت ثلاثة عشر مترًا من الشرق إلى الغرب، وأحد عشر مترًا من الشمال إلى الجنوب. وله قبّتان، إحداهما شمالية فيها خمس نوافذ، وثانيهما جنوبية أكبر وأعلى وفيها ثلاث نوافذ، و بين تجويف القبّتين قنطرة من الشرق إلى الغرب تنفتح في وسطها نافذة.

أمّا بيت الصلاة الثاني أو الداخلي ففيه المحراب والمنبر الخشبي، ويوجد على جانبَيْ بابه عمودان من الغرانيت فيهما زخرفة قوطية الطراز. يتميّز جامع طينال بمئذنته الفريدة بطرازها المعماري. فهي مربّعة الشكل في القسم الأسفل، وفي أعلاها شرفة مستديرة عبارة عن برج حربيّ يعلوه شعار الأمير "الكأس". وهذا ما جعل بعض الأثريين يعتقدون أنّ المئذنة كانت في الأصل برج الأجراس للكنيسة الكرمليّة. وهي ذات سلّمين لولبيين فوق بعضهما، أو مزوّدة بمطلعَين مفصول بينهما بالبناء. وأحد هذين المطلعين يؤدي إلى صحن الجامع، والثاني يؤدي إلى خارج الجامع. وهذا ما جعلها شبيهة بمئذنة عبد الرحمن الناصر في المسجد الجامع في قرطبة. أمّا أرضية حرم الجامع فتكسوها زخرفة من الفسيفساء الملوّن في غاية الروعة والجمال، تحمل طابعًا إسلاميًا خالصًا. وفي الحرمين الشمالي والجنوبي فتحتان تتوسّطان بركتين مزخرفتين بالرخام.

زار جامع طينال العديد من المؤرّخين والرحّالة أبرزهم الشيخ عبد الغني النابلسي الذي وصفه قائلًا: "هو جامع لطيف نيّر واقع خارج البلدة ،قريب من الجبّانة، وأسلوبه عجيب وتكوينه غريب". ومن زوّاره المؤرّخ الدمشقيّ يحيى بن أبي الصفا بن أحمد الذي وصف الجامع في كتابه "المنازل المحاسنية في الرحلة الدمشقية" قائلًا: " جامع عظيم غالبه من الرخام، أرضه كلّها رخام، والباني مدفون فيه". أمّا ابن حجر العسقلاني فقال عنه إنّه "من أحسن الجوامع." وممّا يُذكر أنّ طرابلس تضمّ عددًا كبيرًا من المساجد ذات الطراز المملوكيّ، وتعدّ ثاني مدينة بعد القاهرة بعدد آثارها المملوكيّة.

قراءة المقال الكامل على ويكيبيديا ←