الإمبراطوريَّة الآشوريَّة الحديثة (بالأكديَّة: 𒆳𒀭𒊹𒆠، نقحرة: آشور) هي إمبراطوريَّة كُبرى أقامها ملك الأركان الأربعة «أدادنيراري الثاني» وحكمها الأباطرة من السُلالة الأداسيَّة ومن بعدها السُلالة السرجونيَّة وقد دام مُلكها لما يقارب ثلاثمائة عام. امتدَّت الدولة حتى حكمت الشرق الأدنى القديم والقوقاز وشرق البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا لتكون قوة عالميَّة وأكبر أمبراطوريَّة في عصرها. تُعد الإمبراطوريَّة الآشوريَّة الجديدة أول قوة عُظمى في التاريخ الإنساني وأول إمبراطورية عالميَّة شاملة إذ قُدر لها الهيمنة على العالم القديم برُمَّته ففي أقصى اتساعها حكمت بلاد الرافدين وبلاد الشام والأناضول ومصر وإيران والقوقاز وأجزاء من شبه الجزيرة العربيَّة. في العصر الآشوري بلغت الحضارة الرافدينيَّة أوج الازدهار والكمال وصارت معقلًا للعلم والأدب والفُنُون، ولم يقتصر تأثيرها على حُدُود بلاد الرافدين بل تعداه ليظهر تأثيرها جليًا في بلاد الشام ومصر وإيران. ألهم الآشوريون جميع الإمبراطوريَّات التي تبعتهم وتركوا إرثًا عميق الجُذُور وميراثًا غنيًا لا يزال حاضرًا حتى الوقت الحالي.
عمل المُلُوك الأوائل للإمبراطورَّية الآشوريَّة الجديدة على إعادة هيمنتهم في مناطق أعالي بلاد الرافدين والأناضول وبلاد الشام واستعادة الأراضي التي فُقدت في عهد الإمبراطوريَّة الآشوريَّة الوُسطى، ومع حُلُول القرن التاسع قبل الميلاد تمكَّن الآشوريون من فرض أنفُسهم كقوَّة مُهيمنة في الشرق الأدنى القديم تحت حكم الإمبراطور آشورناصرپال الثاني الذي بلغ بحملاته العسكريَّة سواحل البحر الأبيض المُتوسط وأشرف على نقل العاصمة الإمبراطوريَّة من مدينة «آشور» إلى «نمرود». بمُرُور الزمن اتَّسعت حُدُود الدولة وفرضت نفسها على القوى القديمة دون مُنازع. شهدت خاتمة القرن التاسع قبل الميلاد اضطرابات كادت أن تعصف بالبلاد عُرفت بـ«عصر النبلاء» وفيه هيمن القادة والنُبلاء ورجال الدولة على مقاليد الحُكم في الإمبراطوريَّة ممَّا أضعف السُلطة الملكيَّة، انتهت هذه المرحلة مع اعتلاء تغلث فلاسر الثالث لعرش الإمبراطوريَّة إذ أعاد ترسيخ السُلطة الملكيَّة وقاد فُتُوحات كُبرى لتوسيع أراضيه وفرض نُفُوذه وهيمنته على الممالك المُجاورة فَخضعت له بلاد الشَّام والأناضول والقوقاز والعرب والفُرس. وفي أواخر القرن الثامن قبل الميلاد اتحدت بابل وآشور وتوحَّد العراق القديم مجددًا في ظل إمبراطوريَّة كُبرى. ق. 722 ق.م ابتدأ حُكم السُلالة السرجونيَّة التي بلغت بالإمبراطوريَّة الآشوريَّة ذروة المجد والعظمة والازدهار وعاشت أقصى اتِّساع لها في تاريخها بعد أن خضعت لها كل حضارات الدُنيا إذ قُدر للآشوريين فتح مصر وكوش وعيلام؛ عندها أصبح العالم القديم بأكمله تحت حُكم الإمبراطوريَّة الآشوريَّة الجديدة وأضحت عاصمتها «نينوى» عاصمة الدُنيا وقِبلة العالم. رُغم الانتصارات الساحقة للآشوريين على جميع الشُعُوب التي هاجموها فقدت انهارت الإمبراطوريَّة انهيارًا سريعًا وقاسيًا في أواخر القرن السابع قبل الميلاد إذ دُمرت نتيجة للثورات البابليَّة والتمرُدات الداخليَّة وهجمات الكلدان والميديين والإصقوث على قلب الأراضي الآشوريَّة في العراق. ولا تزال الأسباب الكامنة وراء هذا الانهيار السريع موضع جدل ونقاش بين المُؤرخين والباحثين حتَّى اليوم.
لم يكُن النجاح المُبهر للإمبراطوريَّة الآشوريَّة الجديدة نابعًا من قُدرتها على التوسُع فقط وإنما يتجلَّى أيضًا في قدرة الآشوريين على استيعاب الشُعُوب تحت حُكمهم ودمج الأراضي التي يفتتحونها ضمن نظامهم الإداري، وباعتبارها أول إمبراطوريَّة تبلُغ هذا الحدَّ من التوسُع فقد شهدت العديد من الاختراعات والإبداعات المدنيَّة والعسكريَّة والإداريَّة؛ فَعلى الصعيد العسكري: شملت ابتكاراتُهُم الاستخدام واسع النطاق لِسلاح الفُرسان وتطوير تقنيَّات جديدة في حرب الحِصار. نجحت الجُيُوش الآشوريَّة في اختراع أساليب حربيَّة متطورة اعتمدتها لاحقًا كل جُيُوش العالم لقُرُون بل لآلاف السنين. ولمُعالجة مُشكلة التواصُل عبر المسافات الشَّاسعة، طوَّرت الإمبراطوريَّة نظامًا مُتقدمًا للمُراسلات الحُكُومية (البرقيات)، اعتمد على محطَّات الترحيل والطُرُق المُعتنى بها بِعناية بالغة. ولم تُضاهَ سرعة نقل الرسائل الرسميَّة داخل الإمبراطوريَّة في الشرق الأدنى إلا في القرن التاسع عشر. كما انتهجت الإمبراطوريَّة الآشوريَّة سياسة الترحيل الجماعي والتغيير الديمُغرافي، حيث أُعِيد توطين العديد من الشُعُوب التي قهرها الآشوريون، وقد هدفت هذه السياسة إلى تفكيك الهويَّات الإثنيَّة دائمة التمرُد وكثيرة الحُرُوب التي كانت تهدد تماسُك الإمبراطوريَّة كما أسفر عنها نشر التقنيَّات الزراعيَّة الآشوريَّة في مُختلف أنحاء الإمبراطوريَّة. وكان من أهم نتائج تلك الإيديولوجيَّة السياسيَّة التي انتهجتها الإمبراطوريَّة الآشوريَّة هو انصهار ثقافي في الشرق الأدنى، الأمر الذي غيَّر بصورة دائمة البنية الإثنيَّة واللُغويَّة للمِنطقة بِرُمَّتها ومهَّد لِوحدة لُغويَّة بِظُهُور لُغة التواصُل المُشتركة في الشرق دام أمدها حتَّى القرن الرابع عشر الميلادي.
تركت الإمبراطوريَّة الآشوريَّة الجديدة أثرًا عميق الجُذُور وتراثًا غنيًا من الناحية الثقافيَّة؛ فقد أصبحت البُنى السياسيَّة التي أرستها نمُوذجًا احتذت به كُل الإمبراطوريَّات اللَّاحقة، كما أن أيديولوجيَّة «الحُكم الكوني» التي روَّج لها المُلُوك الآشوريون ألهمت أفكارًا مُماثلة بشأن الحق في الهيمنة على العالم حتى بدايات العصر الحديث. كما غدت الإمبراطوريَّة عُنصرًا محوريًا في الفلكلور والتقاليد والأدبيات اللَّاحقة في بلاد الرافدين سواء خلال مرحلة ما بعد سُقُوطها أو في العُصُور التالية. وقد تأثَّرت اليهوديَّة ومن بعدها المسيحيَّة والإسلام تأثُرًا عميقًا بِفترة الحُكم الآشوري الحديث وكان التأثير الآشوري في بدايات اللَّاهوت اليهودي بالغ العُمق. وعلى الرُغم من أن الإمبراطوريَّة الآشوريَّة تشتهر اليوم بما يُنسب إلى جيشها من القسوة الشديدة، فإن الآشوريين لم يكُونوا أكثر وحشيَّة مُقارنةً بِغيرهم من الحضارات عبر التاريخ.