جلال الدين ألتينبك المعروف أيضًا باسم ألتين بك أو أُلتين بك (ربما يكون هو نفسه إلهام خان) كان أحد آخر الحكام العظام لبلغار الفولغا، وقد حكم البلاد في مرحلتين: الأولى سنة 1229م، ثم عاد إلى العرش مجددًا بين عامي 1230 و1236م. وتنسبه أغلب الروايات إلى الأسرة الحاكمة المنحدرة من سلالة دولو، ويُذكر أنه ابن الأمير أوتياك وأميرة من أسرة أمراء ريازان الروسية تُدعى فيشيليوبا، بينما تشير روايات أخرى إلى أنه ابن الحاكم غابدولا تشيلبير وحفيد أوتياك.
جاء ألتينبك إلى الحكم في فترة كانت فيها دولة بلغار الفولغا تواجه أخطر تحدٍّ في تاريخها، مع التوسع المتسارع للمغول والتتار غربًا تحت راية أحفاد جنكيز خان. ومع ذلك، حاول ألتينبك الحفاظ على وحدة البلاد وتقوية جبهتها الداخلية، فاتبَع سياسة تقوم على التسامح، كما سعى إلى توحيد القبائل والشعوب البلغارية-التشوفاشية تحت سلطة مركزية قوية، مقتديًا في ذلك بسياسات سلفه غابدولا تشيلبير.
كما عمل على بناء علاقات دبلوماسية مع الإمارات والدويلات الروسية المجاورة، وخاصة إمارة ريازان التي ارتبط بها من جهة والدته. وكان يدرك أن الخطر المغولي لا يهدد بلغار الفولغا وحدها، بل يهدد أيضًا الأراضي الروسية. ولهذا أرسل هدايا ثمينة إلى الأمير الروسي يوري فسيفولودوفيتش، من بينها الرخام الذي استُخدم لاحقًا في بناء كنيسة والدة الإله في فلاديمير، طالبًا منه التعاون المشترك لمواجهة المغول. غير أن الأمير الروسي لم يستجب لهذا النداء كما كان مأمولًا، بل أرسل جيشًا قوامه عشرة آلاف مقاتل دخل الأراضي البلغارية وشرع في نهبها بدل تقديم العون لها، وهو ما ترك أثرًا عميقًا في العلاقات بين الجانبين.
عسكريًا، عُرف ألتينبك بمقاومته الشرسة للمغول. ففي عام 1229م شن المغول هجومًا جديدًا على بلغار الفولغا، إلا أن القوات البلغارية بقيادته تمكنت من صدهم وإلحاق الهزيمة بهم. ثم تكرر الأمر سنة 1232م، حين خاض البلغار بقيادته معارك ضارية ضد الجيوش المغولية والتترية، وحققوا انتصارات مهمة. وقد أشار بعض المؤرخين التتار إلى هذه الانتصارات، وذكر الباحث فرغات بلغاري أن ألتينبك ألحق «هزائم مرعبة» بالقوات المغولية والروسية الشرقية في تلك الفترة.
لكن الخطر الحقيقي لم يكن خارجيًا فقط؛ فقد عانت البلاد من انقسامات داخلية خطيرة. إذ ظهر منافس له يُدعى غازي-باراج، سعى إلى الاستيلاء على السلطة وتحالف مع المغول بقيادة باتو خان. وبسبب هذا الانقسام، انحاز بعض الأمراء المحليين إلى جانب المغول، ما أدى إلى إضعاف وحدة الدولة البلغارية وتقويض قدرتها على المقاومة.
وفي سنة 1236م شن المغول، بأمر من الخان أوغيداي وقيادة باتو خان، حملة كبرى على بلغار الفولغا، قيل إن قوامها بلغ مئتي ألف مقاتل، مدعومة بقوات غازي-باراج وحلفائه. قاوم البلغار بشراسة، وتمكنوا من الدفاع عن حدودهم نحو عشرين يومًا، لكن التفوق العددي الساحق للمغول، إضافة إلى الخيانة الداخلية، أجبرهم على التراجع نحو العاصمة العظيمة بيلار، المعروفة أيضًا باسم «أولوي بيلار» أو «المدينة الكبرى».
حاصر المغول العاصمة حصارًا طويلًا دام نحو خمسة وأربعين يومًا، ودارت معارك ضارية وصفها المؤرخون بأنها كانت أشبه بقتال الأسود. وخلال هذه المعارك قُتل كولكان، أصغر أبناء جنكيز خان، وهو ما دفع المغول إلى حشد كامل قواتهم لإسقاط المدينة. وفي النهاية سقطت بيلار سنة 1236م بعد مقاومة بطولية، وقُتل ألتينبك أثناء دفاعه عن شعبه ومدينته.
وتروي بعض المصادر أن زوجته، المعروفة في التقاليد الإسلامية باسم خاتمة وفي الروايات البلغارية باسم «أيراسلو»، لما علمت بمقتله صعدت مع ابنتها إلى أعلى القلعة ثم ألقت بنفسها نحو صفوف الأعداء، مفضلة الموت على الوقوع في الأسر.
ويُنظر إلى ألتينبك في الذاكرة التاريخية لبلغار الفولغا والتشوفاش على أنه أحد أعظم الحكام والمحاربين، وآخر من قاد مقاومة كبرى ضد الاجتياح المغولي قبل سقوط الدولة البلغارية واندماجها لاحقًا ضمن دولة القبيلة الذهبية.
وتشير بعض الروايات المتأخرة أيضًا إلى اسم «ألتينبك» بوصفه آخر حكام بلغار الفولغا في مدينة قازان قبل ظهور خانية قازان في القرن الخامس عشر، غير أن هذه الروايات تختلط فيها الأحداث التاريخية والأسطورية، ويبدو أنها تعكس محاولة لربط نهاية الدولة البلغارية القديمة ببداية العصر التتري في قازان.
يُعتبر ألتينبك آخر حاكم معروف لدولة بلغار الفولغا التي زارها أحمد بن فضلان بعد إسلامها، ورغم أن المغول دمروا آثار المدينة الإسلامية عند الغزو، إلا أنهم أسلموا لاحقًا في عام 1313 م.