رحلة عميقة في عالم مشكلة الإمبراطورين

تُشير إشكالية الإمبراطورين (المشتقة من المصطلح الألماني «Zweikaiserproblem») في التأريخ إلى التناقض التاريخي بين فكرة الإمبراطورية العالمية، التي تفترض وجود إمبراطور واحد فقط في أي وقت من الأوقات، والواقع الذي شهد وجود عدة أفراد يطالبون بهذا المنصب في آن واحد. ويُستخدم هذا المصطلح في الغالب لوصف التاريخ الأوروبي في العصور الوسطى، ويشير بالتحديد إلى النزاع طويل الأمد بين الأباطرة البيزنطيين في القسطنطينية وأباطرة الإمبراطورية الرومانية المقدسة في ألمانيا والنمسا حالياً حول أحقية أي منهما بتمثيل الإمبراطور الروماني الشرعي.

اعترفت الإمبراطورية البيزنطية بنفسها وبالبابا وبمختلف الممالك المسيحية في أوروبا بالإمبراطورية البيزنطية بصفتها الإمبراطورية الرومانية الشرعية منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية خلال العصور القديمة المتأخرة. تغير هذا الوضع عام 797 عندما عُزل الإمبراطور قسطنطين السادس وحلت محله والدته الإمبراطورة إيرين الأثينية، التي لم يُقبل حكمها في أوروبا الغربية. أعلن البابا ليون الثالث ملك الفرنجة، شارلمان، إمبراطوراً للرومان عام 800 بموجب مفهوم «انتقال السلطة» (translatio imperii). ورغم اعتراف الإمبراطوريتين في نهاية المطاف بحكام بعضهما البعض كأباطرة، إلا أنهما لم تعترفا صراحة ببعضهما البعض بلقب «روماني». مثّل النزاع حول اللقب الإمبراطوري على مدى القرون التالية لتتويج شارلمان إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل في السياسة بين الإمبراطورية الرومانية المقدسة وبيزنطة. طالب جيران الإمبراطورية البيزنطية، مثل الإمبراطورية البلغارية الأولى والإمبراطورية الصربية، باللقب الإمبراطوري في بعض الأحيان، مما أدى غالباً إلى مواجهات عسكرية. ولأن الأباطرة البيزنطيين تمتعوا بسلطة كبيرة على بطريركية القسطنطينية (القيصرية البابوية)، فقد أعلن منافسوهم في كثير من الأحيان عن تأسيس بطريركيات مستقلة عنها.

استمر النزاع بعد أن أطاح الصليبيون الكاثوليك في الحملة الصليبية الرابعة بالإمبراطورية البيزنطية عام 1204، وحلت محلها الإمبراطورية اللاتينية، على الرغم من خضوع الإمبراطوريتين للرأس الديني نفسه لأول مرة منذ بدء النزاع. وعلى الرغم من اعتراف الأباطرة اللاتينيين بأباطرة الإمبراطورية الرومانية المقدسة كأباطرة رومان شرعيين، فقد طالبوا باللقب لأنفسهم أيضاً، وهو ما لم تعترف به الإمبراطورية الرومانية المقدسة في المقابل. قبل البابا إنوسنت الثالث في نهاية المطاف فكرة «تقسيم الإمبراطورية» (divisio imperii)، حيث تُقسم الهيمنة الإمبراطورية إلى غرب (الإمبراطورية الرومانية المقدسة) وشرق (الإمبراطورية اللاتينية). ومع أن الإمبراطورية البيزنطية المتجددة تحت سلالة باليولوج دمرت الإمبراطورية اللاتينية عام 1261، إلا أن الأباطرة الباليولوجيين لم يصلوا أبداً إلى قوة الإمبراطورية البيزنطية قبل عام 1204، وتجاهلوا إشكالية الإمبراطورين لصالح علاقات دبلوماسية أوثق مع الغرب. لم تطفُ إشكالية الإمبراطورين على السطح بالكامل إلا بعد فتح القسطنطينية عام 1453، حيث طالب السلطان العثماني محمد الفاتح بالكرامة الإمبراطورية بلقب «قيصر الروم» وطمح في المطالبة بالهيمنة العالمية. اعترفت الإمبراطورية الرومانية المقدسة بالسلاطين العثمانيين كأباطرة في معاهدة القسطنطينية (1533)، لكن لم يتم الاعتراف بالأباطرة الرومان المقدسين كأباطرة في المقابل. أطلق العثمانيون على الأباطرة الرومان المقدسين لقب «كرال» (ملك) لمدة قرن ونصف، حتى اعترف السلطان أحمد الأول رسمياً بـرودولف الثاني كإمبراطور في صلح زيتفاتوروك عام 1606، وهو ما مثل قبولاً لمبدأ تقسيم الإمبراطورية، واضعاً حداً للنزاع بين القسطنطينية وأوروبا الغربية.

طالبت قيصرية روسيا والإمبراطورية الروسية لاحقاً بالإرث الروماني للإمبراطورية البيزنطية، حيث لقب حكامها أنفسهم بلقب «قيصر» (المشتق من قيصر) ولاحقاً «إمبراطور». لم تعترف الإمبراطورية الرومانية المقدسة بمطالبتهم باللقب الإمبراطوري والوضع المتساوي حتى عام 1745، ولم تعترف بها الإمبراطورية العثمانية حتى عام 1774. وبينما انحلت الإمبراطورية الرومانية في عام 1806، استمر الحكام الروس في المطالبة بخلافة الإمبراطورية البيزنطية حتى عام 1917. مثّل المشروع اليوناني في ثمانينيات القرن الثامن عشر المحاولة الجادة الأخيرة لاستعادة الإمبراطورية البيزنطية المسيحية كإمبراطورية ثالثة إلى جانب روسيا والإمبراطورية الرومانية المقدسة. أصبح لقب «إمبراطور» ومشتقاته بحلول القرن التاسع عشر منفصلاً عن الإمبراطورية الرومانية، مع استخدامه بانتظام من قبل دول مختلفة تأسست في ظل حكم سلالات ملكية أوروبية، بما في ذلك الإمبراطورية النمساوية (1804–1918؛ من 1804 إلى 1806 حتى إلى جانب لقب إمبراطور الرومان المقدسين)، إمبراطورية البرازيل (1822–1889)، إثيوبيا (1936–1941)، فرنسا (1804–14، 1815، 1852–70)، الإمبراطورية الألمانية (1871–1918)، الهند (1876–1948) والمكسيك (1863–1867) مع إشارات ضئيلة أو معدومة إلى الإمبراطورية الرومانية ودون المطالبة بالهيمنة العالمية. بدأت دول غير أوروبية كما في شرق آسيا يُشار إليها أيضاً بلقب «إمبراطوريات». واعتُبر آخر قياصرة بلغاريا (1908–1946) وباسيليوس اليونان (1832–1973) ملوكاً بدلاً من أباطرة.

قراءة المقال الكامل على ويكيبيديا ←