بلغ تجليد الكتب بجلد الإنسان — المعروف باسم التجليد الأنثروبودرمي (Anthropodermic bibliopegy) — ذروتَه في القرن التاسع عشر. وقد شاع هذا الفعل على نحوٍ أكبر بين الأطباء، إذ كانت طبيعة مهنتهم تتيح لهم الوصول إلى الجثث. ومع ذلك ظلّت هذه الممارسة نادرة حتى في أوج انتشارها، وكانت الادعاءات الزائفة بشأنها شائعة على نطاق واسع؛ فبحلول عام 2020 أكّد «مشروع الكتب الأنثروبودرمية» وجودَ 18 كتابًا مُجلّدًا فعلًا بجلد بشري، من أصل 31 حالة خضعت للفحص.
إن القدرة على التحقّق الجازم من كون أغلفة الكتب مصنوعة من جلدٍ بشري لم تتوفّر إلا منذ منتصف عقد 2010. فطوال سنوات عديدة كانت عملية التعرّف تعتمد أساسًا على الفحص البصري، ولا سيما بنية المسام كبصيلات الشعر في الجلد. وكان ذلك يُدعَّم أحيانًا بقرائن ظرفية، من قبيل رداءة جودة التجليد على نحوٍ يُعدّ — في نظرهم — علامة على أن الجلد قد جرى الحصول عليه بوسائل مريبة. ومع مطلع القرن الحادي والعشرين برز تحليل الحمض النووي (DNA) بوصفه وسيلة محتملة للتحقّق، غير أنّ هذه الطريقة واجهت إشكالياتٍ عديدة؛ إذ إنّ الأشياء التي تتداولها الأيدي البشرية كثيرًا قد تُنتج نتائج إيجابية زائفة بسبب بقايا المادة الوراثية العالقة بها. كما تبيّن أن اختبار الحمض النووي غير عملي، نظرًا لتحلّل الـ DNA بمرور الزمن، فضلًا عن أن عملية الدباغة المستخدمة لتحويل الجلد إلى مادة صالحة للتجليد تُسرّع من هذا التحلّل. وقد أتاح تطوير تقنية البصمة الكتلية للببتيدات إجراء اختبارات حاسمة، حتى أصبحت هذه التقنية المعيارَ الذهبي في هذا المجال. وكان أول كتابٍ يُؤكَّد على نحوٍ قاطع باستخدامها سنة 2014 نسخة من كتاب مصائر الروح (Des destinées de l’âme) للفيلسوف الفرنسي أرسين هوساي، والمحفوظة في مكتبة هوتون التابعة لجامعة هارفارد. وبعد عشرة أعوام أزالت جامعة هارفارد الغلاف البشري للكتاب بسبب مخاوف أخلاقية.
ومع ذلك، لم تخضع جميع الكتب المنسوبة إلى هذا النوع من التجليد لمثل هذه الاختبارات. فقد تمتنع بعض المكتبات أو الأرشيفات عن إجراء الفحص لأن سياساتها تحظر أي اختبارات ذات طابع إتلافي — ولو كان الإتلاف طفيفًا — إذ تتطلب تقنية البصمة الكتلية إزالة جزءٍ بالغ الضآلة من غلاف الكتاب. كما قد تتخوّف مجموعاتٌ أخرى من الدعاية السلبية المحتملة إذا تأكّد أن أحد كتبها مُجلّد فعلًا بجلد بشري. ولا تزال كتبٌ كثيرة أخرى بانتظار الفحص، ومنها ما يُقال إنه جُلّد بجلد مجرمين أُعدموا. ورغم أن هذه الكتب تُعامل غالبًا على أنها أصلية، لوضوح مصدرها مقارنةً بالأصول الغامضة أو المجهولة لمعظم الكتب الأنثروبودرمية، فإن احتمال التزوير يظل قائمًا في بعض الحالات. ويزداد الأمر تعقيدًا حين يطالب أحفاد أصحاب الجلد بإعادة تلك الكتب إلى عائلاتهم، إذ قد تُدفن أو تُتلف قبل إخضاعها للاختبار.
وقد ظهرت أنماطٌ متكررة في الكتب التي يُزعم أنها مجلّدة بجلد بشري، سواء ثبتت صحتها أم بطلانها. فالكتب التي تُبرز — على سبيل المثال — عِرق الأشخاص الذين استُخدم جلدهم في تجليدها، يتبيّن غالبًا أنها مزوّرة. أما معظم الكتب الأصلية المؤكَّدة فقد كانت مملوكة لأطباء أو جرى تجليدها على أيديهم، وكثيرٌ منها يتعلّق بالطب وممارسته. وفي كتابها الأرشيفات المظلمة، تربط الخبيرة ميغان روزنبلوم بين هذه الظاهرة وبين التحوّلات التي طرأت على أخلاقيات الطب، والظهور الحديث نسبيًّا لمفهوم الموافقة والرضا في الممارسة الطبية.