عصر النهضة (بالإنجليزية:Renaissance) (بالإيطالية: Rinascimento) هي مرحلة تاريخية وحركة ثقافية اوروبية امتدت من أواخر العصور الوسطى من القرن الرابع عشر الميلادي إلى القرن السابع عشر وشهدت تحوّلات جذريًا في مختلف مجالات المعرفة بدأت في إيطاليا ثم أخذت في الانتشار إلى بقية أرجاء أوروبا . اتّسمت هذه الفترة بصعود منهج يقوم على التحليل النقدي والتفسيرات العقلية المبنية على الملاحظة المباشرة و علوم الإنسانيات والفنون والهندسة. وساعد اختراع طباعة المونوتيب وتوفر الورق في سرعة انتشار تلك الأفكار أواخر القرن الخامس عشر، إلا أن تغييرات عصر النهضة لم تنتشر بشكل موحد في جميع أنحاء أوروبا إلا أن المفكرين اعتبروها جملةً جسراً بين العصور الوسطى والعصر الحديث.
شهد عصر النهضة بوصفه حركة ثقافية ازدهاراً في الأدب باللغات المحلية وإبداعا في الأدب اللاتيني بدءاً من القرن الرابع عشر، ونهضةً في التعلم المعتمد على المصادر الكلاسيكية، والتي يعزو المعاصرون فضلها إلى بيترارك، وتطور الرسم المنظور والتقنيات الأخرى لجعل الرسم أكثر واقعية وطبيعية، فالإصلاح التعليمي الذي كان متدرجاً لكن على نحو منتشر. سياسياً، ساهم ظهور عصر النهضة في تعدد المعاهدات الدبلوماسية بين الدول. أما في مجال العلوم فكان التحول إلى الاعتماد على الملاحظة. يرى المؤرخون أن هذا الانتقال الفكري كان جسراً بين العصور الوسطى والعصر الحديث. ورغم أن عصر النهضة شهد انقلابات في العديد من الممارسات الفكرية واضطرابات سياسية واجتماعية كذلك، إلا أنه امتاز بالتطورات الفنيّة واسهامات المثقفين مثل ليوناردو دا ومايكل آنجلو، الذي ابتكر عبارة رجل عصر النهضة.
هناك إجماع على أن عصر النهضة بدأ في فلورنسا بإيطاليا في القرن الرابع عشر. اُقترحت العديد من النظريات التي تفسر أصوله وخصائصه، مع التركيز على عدد من العوامل بما فيها الخصائص الاجتماعية والمدنية لمدينة فلورنسا في ذلك الوقت وتركيبتها السياسية وسيطرة عائلة ميديشي الفلورنسية ذات النفوذ، وهجرة الباحثين في الدراسات اليونانية ومعهم النصوص اليونانية إلى إيطاليا بعد فتح القسطنطينية على يد الأتراك العثمانيين.
لعصر النهضة تاريخ طويل ومعقد، وبالإضافة إلى نزعة الشك الشائعة لدى المؤرخين حول تقسيم التاريخ إلى عصور منفصلة وواضحة، فقد دار بينهم أيضا الكثير من النقاش حول تمجيد القرن التاسع عشر لعصر النهضة وأبطال الثقافة الفردية المعروفين برجال عصر النهضة، والتساؤل عن فائدة عصر النهضة كمصطلح وكتصوير تاريخي. لاحظ مؤرخ الفن أروين بانوفسكاي هذه المقاومة تجاه مفهوم عصر النهضة:
ربما ليست مصادفةً أن حقيقة عصر النهضة الإيطالية كان مشكوكاً بها بشدة من الذين لم يكونوا ملزمين بالاهتمام مهنياً بالنواحي الجمالية للحضارة- مؤرخي التطور الاجتماعي والاقتصادي، والأوضاع الدينية والسياسية، وخصوصاً العلوم الطبيعية- لكن على نحو استثنائي من طلاب الأدب وعلى نحو غير محتمل أبداً من مؤرخي الفن.
يتساءل البعض عمّا إذا كان عصر النهضة يشكل «تقدماً» ثقافياً عن العصور الوسطى، بدلاً من اعتباره فترة من التشاؤم والتوق إلى الماضي لجميع العصور الكلاسيكية، بينما يركز المؤرخون الاجتماعيون والاقتصاديون -المتأثرون باتجاه «الأمد الطويل»- بشكل خاص على الاستمرارية بين العصرين والتي «مربوطةً بألف رابط» كما لاحظ بانوفسكاي.
كلمة النهضة امتدت أيضا إلى الحركات التاريخية والثقافية، مثل عصر النهضة الكارولنجية وعصر النهضة في القرن الثاني عشر.
عصر النهضة كان حركة ثقافية أثرت بعمق على الحياة الفكرية الأوروبية في الفترة الحديثة المبكرة. بدأ في إيطاليا، وانتشر إلى بقية أوروبا من القرن السادس عشر، وشُعر بنفوذه في الفلسفة والأدب والفن والموسيقى والسياسة والعلوم والدين، وغير ذلك من جوانب التساؤلات الفكرية. علماء عصر النهضة استخدموا الأسلوب الإنساني في الدراسة، وبحثوا عن الواقعية والمشاعر الإنسانية في الفن.
بحث إنسانيو عصر النهضة مثل بوجيو براشيوليني في المكتبات الرهبانية الأوروبية عن الأدب اللاتيني، والنصوص التاريخية والخطابية للعصور القديمة حيث ولّد سقوط القسطنطينية (عام 1453) موجات لجوء للعلماء اليونانيين جالبين معهم مخطوطات باليونانية القديمة، سقط الكثير منها في المجهول في الغرب. كان في تركيز علماء عصر النهضة الأدب والنصوص التاريخية والذي اختلف كثيراً عن علماء القرون الوسطى في عصر نهضة القرن الثاني عشر، والذين كانوا يركزون على دراسة الجهود اليونانية والعربية في العلوم الطبيعية والفلسفة والرياضيات بدلاً من النصوص الثقافية. أصحاب المذهب الإنساني في عصر النهضة لم يرفضوا الدين المسيحي عند إحياء الأفلاطونية الجديدة، بل على العكس من ذلك، خصصت العديد من أعمال عصر النهضة للدين المسيحي، وقد قامت الكنيسة برعاية العديد من الأعمال الفنية من عصر النهضة. على الرغم من ذلك، حدث هناك تغير دقيق في الطريقة التي اقترب بها المثقفون إلى الدين مما انعكس ذلك على المجالات المختلفة في الحياة الثقافية. وبالإضافة إلى ذلك، العديد من الأعمال اليونانية المسيحية، بما في ذلك العهد اليوناني الجديد، أعيدت من بيزنطة إلى أوروبا الغربية وقد اشترك فيها علماء الغرب وللمرة الأولى منذ أواخر العصور القديمة. وقد تسبب هذا الانشغال الجديد بالأعمال المسيحية المكتوبة باليونانية (وبالذات العودة إلى النسخة اليونانية من العهد الجديد والذي روج له الإنسانيان لورينزو فالا ودسيدريوس إراسموس) إلى تمهيد الطريق لحركة الإصلاح البروتستانتية.
بعد عودة الفنون إلى الكلاسيكية بفترة طويلة كما في أعمال النحات نيكولا بيسانو، سعى رساموا فلورنسا بقيادة مازاتشو إلى إظهار شكل الإنسان بطريقة واقعية، وطوروا لذلك أساليب لتقديم الضوء والمنظور بشكل يبدو أكثر طبيعية. سعى الفلاسفة السياسيون، وأشهرهم نيكولو مكيافيلي، لوصف الحياة السياسية كما كانت حقا، لفهمها بعقلانية. في 1486، ساهم النص الشهير للفيلسوف بيكو ديلا ميراندولا والمعنون بـ «De hominis dignitate (خطاب في كرامة الإنسان)» بدور مؤثر في النزعة الإنسانية في عصر النهضة الإيطالي. احتوى النص على سلسلة من الأطروحات المعتمدة على المنطق حول الفلسفة والفكر الطبيعي والإيمان والسحر. بالإضافة إلى دراسة اللغات اللاتينية واليونانية التقليدية، بدأ مؤلفوا عصر النهضة باستخدام اللغة العامية. هذا التحول بالإضافة إلى بداية انتشار الطباعة ساعد على انتشار القراءة بين الناس، خاصة قراءة الإنجيل.
بالمجمل، يمكن أن ننظر إلى عصر النهضة على أنه محاولة من قبل المفكرين لدراسة وتطوير الجانب العلماني والدنيوي، من خلال إحياء بعض الأفكار القديمة بالإضافة إلى إيجاد مناهج فكرية جديدة ومبتكرة. بعض العلماء مثل رودني ستارك، ينتقصون من عصر النهضة لصالح الابتكارات السابقة للدول-المدن الإيطالية في أوج العصور الوسطى، والتي ارتبطت بتجاوب الحكومة والمسيحية وولادة الرأسمالية. ووجهة النظر هذه ترى أنه في نفس الوقت الذي كانت فيه دول أوروبية عظمى (فرنسا وإسبانيا) ملكيات مطلقة، ودول أخرى تحت سيطرة مباشرة من الكنيسة، كانت الجمهوريات الإيطالية المستقلة تعمل على تطبيق مبادئ الرأسمالية التي ابتكرتها العقارات الرهبانية وفجرت بذلك ثورة تجارية واسعة وغير مسبوقة سبقت عصر النهضة، وقامت بتمويله.