أبعاد خفية في رحب (بني ضبيان)

رحب هي إحدى قرى عزلة بني ضبيان بمديرية بني ضبيان التابعة لمحافظة صنعاء، بلغ تعداد سكانها 23 نسمة حسب تعداد اليمن لعام 2004. ورد الاسم في النقوش اليمنية القديمة بصيغة (ر ح ب م / رَحَب) في بلاد بني ظبيان بـ (وادي أذنة) وهي (رحب العسيلة) و(رحب آل سالم).

أولاً: الموقع الجغرافي:

وهي منطقة وبلدة جغرافية في "بني ظبيان" ويحتل موضع "رَحَب العسيلة ورحب آل سالم" مكاناً جيومورفولوجياً وطبوغرافياً حاكماً في أراضي قبيلة بني ظبيان (خولان الطيال)، ممتداً بمحاذاة الضفة الرئيسية لمجرى "سائلة وادي أذنة (ذنه)". ويمثل هذا الوادي العصب الهيدروليكي الحيوي و"الميزاب الشرقي" لليمن، وهو النطاق الذي تشكلت فيه أولى بذور الاستيطان البشري والزراعي منذ العصور البرونزية المبكرة

يتميز هذا النطاق الجغرافي بشبكة معقدة من التضاريس الحامية ومساقط المياه التي تترابط هندسياً على النحو التالي:

-المحور الشمالي: يحده "جبل قيد" الاستراتيجي الشاهق، والذي يعمل كحارس طبيعي وموئل للعديد من الشواهد الأثرية والنقوش المكتشفة.

-المحور الجنوبي: ينفتح مباشرة على المجرى والشريان الرئيسي لـ "سائلة وادي أذنة (ذنه)"، متلقياً التدفقات المائية من المرتفعات الجبلية المحيطة.

-المحور الغربي: تحده جبال وعرة تشمل "جبال تِوان" و"جبل الصيعم"، امتداداً صوب "وادي رَحَب الأعلى" الذي يعد النطاق المغذي الأساسي للسيول والتدفقات.

-المحور الشرقي: ينحدر باتجاه "وادي رَحَب الأسفل" والامتدادات الحجرية لـ "جبل حريففان"، حيث تتسع مسارات ري الحقول.

ثانياً: التحقيق اللغوي والاسم:

يُعد هذا الموضع دليلاً مادياً قاطعاً على التواتر الجغرافية واللغوية في جنوب الجزيرة العربية:

-في المدونات النقشية: وثقة النقوش السبئية المكتشفة اسم الموضع بصيغته الأصيلة مضافاً إليها التنوين المسندي ر ح ب م /Rḥbm بمعنى:رحب.

-في المصادر الإخبارية والتاريخية: وقعت بعض المصادر الإخبارية المتأخرة في التصحيف والتحريف حين أوردت الاسم بزيادة الميم في أوله بصيغة (مَرحَب)، وهو بلا شك "غلط مادي وناتج عن نساخ المخطوطات" الذين جهلوا اللفظ والأصل الجغرافي اليمني القديم. وفي التداول المحلي المعاصر يثبت الواقع الميداني المعاصر أن القبائل والساكنة المحلية في بني ظبيان لا تزال تحتفظ باللفظ التاريخي الصحيح كما هو دون زيادة أو نقصان؛ إذ يُطلق عليه حتى اليوم اسم: "رَحَب"

ثالثا: الآثار والشواهد النقشية:

كشفت الدراسة العلمية للدكتور أنور الحاير عن (نقوش السيادة والصيد الطقسي)، حيث تزخر المنطقة بمنظومة أثرية متكاملة تبرهن على أن وادي أذنة كان بمثابة "الرحم والمصنع الأول" لنشأة مملكة سبأ وتطورها، وليس مجرد ممر مائي عابر. وتتنوع الآثار المكتشفة والموثقة في وادي رحب بين المنشآت المائية العظمى، والتحصينات العسكرية، والعمارة الجنائزية، والنقوش الصخرية:

رابعا:سد رحب التاريخي:

١ـالمنظومة الهيدروليكية (سد وقنوات رَحَب):

تؤكد دراسة الدكتور أنور الحاير إن المعطيات الميدانية لبقايا وأطلال "سد رَحَب التاريخي" على ضفة سائلة لفج "رحب"، الذي له أثار باقية تؤكد على موقعه الجغرافي وكذلك بقايا نقوش منها اللفظ "ع س ن", وهو ما يمنح النقوش السبئية الكبرى مصداقية مادية لا تقبل الشك، ومن أبرزها:

-الاستدلال بنقش (Res 3943): يوثق الإدارة المائية المبكرة من خلال نحت الحجر الجيري لتنظيم قنوات مياه "حبابض" وقناة مدخل مياه "رَحَب ذي نسر" المتجهة نحو حقل "يسران" المروي، بالتكامل مع قنوات "موقرن" المنقورة في الصخر الصم.

-الاستدلال بنقش (Ja 788): الذي يقدم وثيقة هيدروليكية وعسكرية بالغة الأهمية؛ حيث يذكر تعرض المنطقة لكارثة سيول أدت إلى تدمير السدين العظيمين في حبابض ورَحَب، وجرف ما مساحته سبعون متراً مربعاً من السد والجدران الرابطة بينهما

٢. قداسة المكان وممارسات الصيد المقدس:

وفقاً لما ورد في دراسة الدكتور "انور الحاير" من نقوش منطقة أذنة، فإن المنطقة تحتوي على سجل أثري مسندي فريد يعود لفترة "المكارب والملوك الأوائل من آل يدع أيل بين":

خامسا: نقش يدع أيل بين المكتشف في "لفج رحب":

تبرز في هذا النطاق نقوش ومنحوتات صخرية تؤرخ لعهود مكربي وملوك سبأ الأوائل (مثل الملك يدع أيل بين)، وهي نقوش رسمية تُثبت بسط السيادة السبئية المبكرة على المرتفعات ومشارف الأودية الشرقية، وتدعم بقوة "المنشأ المحلي الأصيل" للحضارة السبئية داحضةً فرضيات الاستيراد الخارجي.

سادسا:أثار الصيد المقدس:

تنتشر على صخور الجبال المحيطة بموضع رَحَب (مثل لفج رحب، والقصر، ونونا، وجبل قيد) رسوم صخرية ومخربشات ونقوش مسندية غاية في الأهمية، توثق "رحلات ومشاهد الصيد الطقسي والديني للوعول والحيوانات القديمة" هذا الصيد لم يكن مجرد نشاط اقتصادي، بل كان طقساً دينياً واحتفالياً سبئياً رسمياً يرتبط بتقديم القرابين وتأكيد السيادة على الأرض والموارد، وتعكس نقوش "خط الحز" المبكرة في المنطقة هذا الرقي الاجتماعي والفني.

سابعا: أثار العمارة التحصينية (مصنعة رَحَب):

حصن عسكري دفاعي ذو تخطيط حلزوني فريد يمتد من الجنوب إلى الشمال متماشياً مع جغرافيا الجبل، ويذكر "الدكتور أنور الحاير" بانه ينقسم تخطيطه إلى "عشر وحدات معمارية متجانسة"، شُيدت أساساته الخارجية بدقة مذهلة والمنحوتة على حافة الجبل الصخرية الحادة، وله بوابة وحيدة من الجهة الجنوبية لحمايته. تتميز المصنعة باستخدام "مادة القضاض" الكثيفة للربط والعزل (وهي ذاتها المستخدمة في جدران سد مأرب القديم)، مما يرجح تزامنها الإنشائي مع فترة بناء السد العظيم في العهد السبئي المبكر (عصر المكاربة). كما يحوي في قمته صهريجاً مائياً منقوراً في الصخر لضمان الاكتفاء الذاتي المائي

خامسا: أثار العمارة الجنائزية (مقابر القباب):

حدد "الدكتور أنور الحاير " بأنها تقع في نطاق وادي "رحب العسيلة" وهي بقايا مقابر أثرية قديمة تُعرف محلياً بـ "القباب"، وهي تسمية تحمل دلالة أركيولوجية تشير إلى نمط القبور المقببة المشيدة من الحجر المهندم والقضاض التاريخي. يبرز منها قبر مستطيل باتجاه (شمال-جنوب) بطول 2م وعرض 1م، وله مدخل صغير من الناحية الجنوبية، وما تزال بقايا مداميكه المشيدة قائمة بارتفاع 1.70م، بالرغم من تعرضه لأعمال نبش وتخريب أدت إلى انتزاع مراديمه وأحجاره ونقوشه المنقولة

قراءة المقال الكامل على ويكيبيديا ←