محمد جمال الدين القاسمي (1283 – 1332هـ / 1866 – 1914م) هو أبو الفرج محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم بن صالح بن إسماعيل بن أبي بكر القاسمي الدمشقي والمعروف اختصارًا بـ القاسمي، علَّامة أثري مصلح، من أعلام دمشق في القرن الثالثَ عشرَ الهجري، وعالمٌ بارزٌ في الحديث، والفقه وأصوله، والعقيدة.
عاصر القاسمي أشدَّ أحوال الدولة العثمانية، واتسمت هذه الحِقْبة بكثرة الاضطرابات في أغلب ديار الدولة، وإعلان إفلاسها، وضغط الإمبراطوريات الاستعمارية الأوربية عليها والتدخل في شؤونها، فاستولت على كثيرٍ من أراضيها، وأدَّت هذه الظروف إلى تكوُّن ثلاثة تياراتٍ سياسيةٍ تجاه الدولة العثمانية، وهي: الإسلامي، والعثماني، والعربي؛ وكان القاسمي منتميًا إلى التيار الإسلامي فحاول التقريبَ بين الفِرَق الإسلامية لمقاومة الاستعمار الغربي. وفي بلاد الشام تنوَّعت الأعراق والديانات والطوائف، وفي دمشق كانت أحياؤها منقسمة طائفيًا، ولم يعرف أبناؤها التعاون فيما بينهم، وأخلاقهم كانت فاسدة، فعمل القاسمي على إصلاح خُلُقهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودعا إلى إعطاء حقِّ المرأة في التعليم. وكانت الحياة العلمية فقيرة، والصحف والمطابع ضعيفة، ولم تتوافر المعاهد ولا الجامعات والمدارس، والأمِّية منتشرة، وكان الاهتمام يصبُّ على نشر الطرق الصوفية.
وُلد القاسمي في 8 جُمادى الأولى 1283هـ الموافق 17 أيلول (سبتمبر) 1866م بمحلَّة القَنَوات في دمشق، ونشأ في أسرة تعدَّد أعلامها من علماء وأدباء، فكان جدُّه قاسم الحلَّاق أحدَ علماء الشام وإليه تُنسَب الأسرة، وأبوه محمد سعيد القاسمي أحدَ أدباء دمشقَ وفقهائها. وحقَّق القاسمي نسبه، فأظهر أنه من جهة جدَّته لأبيه يرجع إلى الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، وتتبَّع أحمد بن محمد القاسمي نسب أسرة آل القاسمي، فوجد أنهم يتصلون بالشيخ عبد القادر الجِيلاني، وبذلك يكون القاسمي نال شرف النسب من الطرفين.
وللقاسمي ثلاثة أعمام، وكلهم على قدرٍ من العلم والفضل والتحصيل والعناية، وللقاسمي أربعة إخوة وهو أكبرهم ولهم نصيبٌ في العلم، مثل أخيه صلاح الدين يوسف القاسمي الذي كان طبيبًا ومتعلِّمًا لفنون كثيرة. وتزوَّج القاسمي بالسيِّدة فاطمة بنت محمد أبو قورة في 15 ذي الحِجَّة 1307هـ الموافق 1 آب (أغسطس) 1890م، ورُزق بسبعة أولاد، ربَّاهم على الصلاح وعلَّمهم مقدِّمات العلوم، ومنهم ابنه ظافر الذي كان محاميًا وأديبًا مهتمًّا باللغة العربية، وله أعمال تأليفًا وتحقيقًا بالعربية والفرنسية.
اتَّجه القاسمي إلى طلب العلم الشرعي لمَّا بلغ سنَّ التمييز، وسعى به أبوه إلى الكُتَّاب في القنَوات، فتعلَّم ترتيل القرآن، ثُمَّ جوَّد القرآن وختمه ختمةً كاملة ونصف ختمة أُخرى برواية حفص عند أحمد الحلواني الكبير، وحضر عنده في كتب التجويد. ثم تعلَّم الكتابة فمكث قرابة ثلاث سنين يتعلَّم حتى أتقن قلمَي الرقعة والفارسي في سنة 1295هـ/ 1878م، ثم انتقل إلى مكتبٍ في المدرسة الظاهرية في إيوانها وقرأ مقدِّمات فنون شتَّى، من توحيد، وصرف، ونحو، ومنطق، وبيان، وعَروض، وشرع في قراءة المختصَرات الفقهية والنحوية عند والده محمد سعيد القاسمي، وحضر مجالسَ كثيرةً لعلماءَ آخرين في علوم مختلفة مثل الحديث والفقه والتفسير والتصوف، وأُجيز إجازات عامَّة من كبار شيوخ عصره مشافهةً وكتابةً، ومن أبرز من تَلْمَذ على يدهم: محمد سعيد القاسمي، وأحمد الحلواني الكبير، ومحمد سليم العطار، وبكري بن حامد العطار، ومحمود الحَمزاوي.
عمل القاسمي مبكِّرًا، وامتهن الإقراء في جامع السنانية، ثم صار إمامًا في أكثرَ من مسجد، وأوَّل إمامته كانت في جامع العنَّابة في محلَّة باب سريجة، ولمَّا بلغ ستة وعشرين من عمُره في حلول سنة 1309هـ/ 1891م أسنَدَت إليه دارُ ولاية سورية وظائفَ التدريس والإرشاد والوعظ في أقضية الولاية في شهر رمضانَ لأربع سنوات. ثم صار إمامًا في جامع السنانية في سنة 1317هـ/ 1899م بعد وفاة والده. وقد حظي القاسمي بمكانة كبيرة بين علماء عصره، فحضر كثيرٌ من الطلبة دروسه الخاصَّة في مجالسه والعامَّة في المسجد، وأصبح كثيرٌ من تلامذته علماءَ البلاد الشامية وفُضلاءها، ومن أشهرهم: محمد بخيت المطيعي، ومحب الدين الخطيب، ومحمد بهجة البَيطار، وأحمد محمد شاكر، ومحمد جميل الشطِّي.
دعا القاسمي إلى نبذ التعصب والتقليد، وإلى العمل بالاجتهاد في الدين، واعتمد في دعوته على نصوص الكتاب والسنَّة، وتشديد التمسُّك بمنهج السلف، الذي يمثِّل الدعوة السلفية. وعمل بدعوته علميًّا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاعتماد على الحُجَّة والمنطق والبرهان. ودعا إلى الالتزام بالوسطية في الدين ونبذ الغلو، وإلى التجديد في الدين. وحرَص على وحدة الأمَّة ونبذ التفرقة، وتعدَّدت أساليبه في دعوته، فاستخدم أساليب الحكمة، والموعظة، والمجادلة، والقدوة الحسنة، والرفق. واتخذ وسائلَ عديدةً في تبليغ دعوته، منها: المحاضرات، والدروس، والكتب، والمقالات، والمجلات، والرسائل، والمناظرات. ولاقى القاسمي من دعوته معارضةً حادةً من الحكومة العثمانية، إلا أنه لم يأبه لهذه المعارضات، ومضى في دعوته، فكانت حياته الدعوية مَلأى بالمِحَن والشدائد، ومن أشهرها حادثة المجتهدين في سنة 1313هـ/ 1895م.
تميَّز القاسمي بكثرة أسفاره ورحلاته، وكان دافعه إليها في الغالب الدعوة والتعليم، أو اللقاء بالعلماء، أو الظفر بالكتب والمخطوطات، أو الاستجمام والترويح عن النفس. وكان يدوِّن في رحلاته ما يمرُّ به من فوائدَ، وما يرى من المناظر الجميلة والآثار القديمة، وما يشعر تجاهها، ثم يخرجها في مؤلفات خاصَّة بالرحلات. وقد رحل إلى مدُن ومناطقَ كثيرةٍ في ولاية سورية، ودوَّن خمس رحلات خارج ولاية سوريا، ومن تلك البلدان: لبنان، وبيت المقدس، ومصر، والمدينة المنورة.
كان القاسمي في أوَّل أمره أشعريَّ الاعتقاد ونقشبنديَّ المسلك، ثم انتقل إلى العقيدة الأثرية السلفية متأثرًا بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيِّم، وترك الانتسابَ إلى العقيدة الأشعرية وسلوك النقشبندية، ولا يُعرَف تحديدًا تاريخ تحوُّله العقدي، وقد أبدى آراءه الاعتقادية في مختلِف تصانيفه، وهي موافقة لآراء أهل السنَّة والجماعة في أغلب مسائل الاعتقاد. ولاقى القاسمي نقدًا من السلفيين لمَّا أظهر مدحًا وثناءً للجهمية والمعتزلة في كتابه "تاريخ الجهمية والمعتزلة"، فانقسمت آراؤهم فيه إلى فريقين، منهم من اعتذر له ممَّا صدر عنه، ومنهم من شدَّد القول عليه ولم يعتذر له، وكان القاسمي شافعي المذهب الفقهي، ثم غلب عليه في آخر حياته الاجتهاد في المسائل الفقهية، ولم يكن متعصبًا لمذهبه واجتهاده ويقبل الاختلاف.
صنَّف القاسمي مُصنَّفات كثيرة، فقد كان كثيرَ الكتابة والتأليف، واهتمَّ بذلك من صِغَره، فكان أوَّل مُؤلَّف له وهو في عمُر 16 سنة، واختُلف في عدد مصنَّفاته، فأوصلها بعض الدارسين إلى أكثر من 100 مصنَّف، وقد طُبعت بعض كتبه في حياته وبعضها طُبع بعد وفاته، ولا يزال بعضها مخطوطًا. ولم يكن القاسمي راضيًا عن الكتب التي ألفها قبل سنة 1320هـ/ 1902م، وقد لاقى مشقةً في نشر مؤلفاته بسبب الرقابة الشديدة عليه، وأغلبُ مؤلفاته تُمثِّل دعوته إلى التمسُّك بالقرآن والسنَّة الصحيحة، وهَجْر التقليد، ومحاربة البدع والضلالات. وصنَّف في العلوم الشرعية وفي اللغة العربية، والتاريخ الإسلامي، والفلسفة، والتصوير الضوئي، والطب، والأدب، والأخلاق، وأجمع كلُّ من ترجم للقاسمي أن أجلَّ مؤلفاته هو تفسيره المسمَّى "محاسن التأويل".
عُرف عن القاسمي حِرصُه الشديد على وقته، فكان يُنظِّم جدوله اليومي مقسمًا شؤونه الدينية والدنيوية، وعُرف بتحلِّيه بمكارم الأخلاق، فكان كثيرَ الإيناس لأهل بيته، وكثيرَ الحب والعاطفة والتلطف لهم، وحكيمًا في تربية أولاده مبتعدًا عن العنف، وكان كريمًا مع ضيوفه وتلاميذه وأقاربه. وعُرف بالورع، وعاش فقيرًا لا يملك إلا القليل، ولهذا لم يتمكَّن من أداء فريضة الحج، وكان كثيرَ الوفاء والتواضع، عفيفَ اللسان. ووُصِف بالجمال وحُسْن الهيئة، وكان أبيضَ اللون، ونحيف الجسم، وله لحية سوداءُ كثيفة، وكان رقيقَ البنية، ونحيل الجسد، وأقربَ إلى القِصَر منه إلى الطول، وغضيضَ الطرف، وكثير الإطراق، وخافتَ الصوت، وثقيل السمع، وخفيف الروح، ودائم التبسم.
تُوفِّي القاسمي في مساء السبت 23 جُمادى الأولى 1332هـ الموافق 18 نَيْسان (أبريل) 1914م، وعاش 49 سنة، وصُلِّي عليه في اليوم التالي، وخرجت له جنازةٌ حافلة مَهيبة، ودُفن في مقبرة الباب الصغير، ورثاه ونعاه عددٌ من الأعيان والعلماء والمثقفين من بلاد العالم الإسلامي، وأشاد علماءُ عصره ومَن بعدهم بمكانته العلمية والدعوية الإصلاحية، ومن الذين أثنَوا عليه من المعاصرين له: محمد رشيد رضا، وشكيب أرسلان، ومحب الدين الخطيب، ومحمد بهجة البيطار، وأبو الوفا مصطفى المراغي. ومن الذين أثنوا عليه من غير المعاصرين: محمد ناصر الدين الألباني، وابن باز، ومحمد أمان الجامي.