إتقان موضوع تكية الدراويش

تقع تكية الدراويش " المولوية " في مدينة طرابلس، شمال لبنان، وتحديدًا في منطقة زيتون أبي سمراء، على مسافة 200 متر من القلعة جنوبًا. وقد بناها مندوب السلطنة العثمانيّة في طرابلس صمصمجي علي عام 1619م (1028هـ)، عندما تنزّه هناك فأعجبه الموقع، وقرّر أن يبني التكيّة هناك، حيث يشرف المكان على وادٍ يجري فيه نهر أبي علي، ويقع بين جبلَين متقاربَين أخضرَين.

وقد تغنّى الرحّالة والكثير من الزائرين بموقع التكيّة، فشبّهها ابن محاسن بـ "جنّة النعيم". فهي لم تشتهر بهندسة بنائها وزخارفها بقدر ما اشتهرت بجمال الطبيعة المحيطة بها، وروعة المكان الذي شيّدت فيه والذي تلفّه أشجار كثيرة، وعرايش العنب وأشجار النارنج، ومختلف أنواع الزهور. وتطلّ على وادٍ تقع في أسفله عشر طواحين دائرة على خمسة أنهار جارية هي فروع نهر أبي علي.



تسميتها



سمّيت تكيّة الدراويش بـ " المولوية " نسبة إلى مولانا جلال الدين الروميّ بن بهاء الدين سلطان العلماء ، وهي واحدة من بين التکایا التابعة لأتباع الروميّ خارج تركيا والتي انتشرت في العهد العثمانيّ. وتعدّ الثانية من حيث أهمّيتها بعد تكيّة قونية، تليها تكيّات: القاهرة - القدس - دمشق - حلب - قبرص - ساراييفو في البوسنة.

وهي تعدّ من أكبر التكايا التي أثارت انتباه الزائرين كافّة من أوروبيين ومسلمين.

وتسمية " تكيّة" تركية الأصل، وتعني مكان الاتّكاء للراحة والاسترخاء، أو مكان الدراويش، ولاحقًا صارت تطلق على المجمّعات الصوفية في المدن شتّى.



وصفها



بداية، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ المولوية اتخذت مقرًّا لها في المدرسة الشمسيّة في طرابلس عند مدخل الجامع المنصوريّ الكبير، وأسّسها في حينها شمس المولويّ عام 1349م. وبعدما بنى الصمصمجي البناء الجديد، انتقل إليها مشايخ المولوية وعرفت بـ "تكيّة الدراويش".

زار التكيّة عدد كبير من الرحّالة العرب والأجانب، وكتبوا عنها وامتدحوها مثل الشيخ عبد الغني النابلسيّ في أواخر القرن السابع عشر، والبريطانيّ جون كارن في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، م والمستشرق الهولندي فدي بونغ عام 1919.

أمّا أول من قام بزيارتها فهو ابن محاسن الدمشقيّ فأرّخ لها، ووصفها بأنّ فيها ثلاثة مقاعد، أحدهما متّسع بديع، أمامه فسقية من الرخام الأبيض يتدفق منها الماء إلى فسقية أخرى، وأمامه أيضًا مكان مرتفع مخصص للاستماع إلى الدراويش. وتحت هذا المكان - يجري النهر إلى المدينة. وفي التكيّة بركة ماء طويلة ينصبّ إليها الماء من نهر أبي علي بواسطة أربعة وأربعين أنبوبًا.

وتعدّ تكيّة الدراويش في طرابلس مجمعًا متكاملًا يضمّ قاعة للتعليم والتدريب، ومسجدًا، وقاعة اجتماعات، وقاعات استقبال للضيوف، وقاعات متخصّصة للحلقات المولوية، وغرفًا لشيخ المولوية، كما تحتوي على مساكن للدراويش ومطعم للفقراء ومطبخ، وحوض ماء للوضوء، وحديقتها وشرفتها تطلّان على النهر والقلعة.

تجدر الإشارة إلى أنّه تمّ ترميم التكيّة مرّتين: الأولى على يد الملّا مصطفى، والثانية في عهد والي طرابلس محمد خاوصي باشا عام (1770 م) (1184 هـ). ولكن بعد فيضان نهر أبي علي عام 1955، أُهملت لفترة طويلة، إلى أن أعادت الدولة التركية ترميمها مؤخّرًا في القرن الحادي والعشرين.



دورها وأهميتها



للتكايا في العصر العثمانيّ دور اجتماعيّ ودينيّ وثقافي متكامل، لكونها ملجأ لإيواء الدراويش من جهة، ومراكز للترقي الصوفيّ والتعليم الروحيّ، إضافة إلى دورها في توطيد سلطة مشايخ التصوّف، فضلًا عن كونها كانت تضمّ حلقات العلم لاحتوائها على مكتبات ومخطوطات مهمّة. كما كانت تسهم في نهضة الشعر والموسيقى، كونها مركزًا لتطوير الشعر والموسيقى الصوفيّة والرقص الدائريّ الخاص بالصوفيين.

وكان للطرق الصوفيّة دور بارز في إدارة شؤون الدولة العثمانية آنذاك، فكان شيوخ هذه الطرق يعملون على نشر دين الإسلام، وإعداد المسلمين للجهاد. وقد تقلّد الصوفيون مناصب مهمّة في الدولة. ومن أشهر الطرق الصوفيّة: النقشبنديّة، والرفاعيّة، والمولويّة، والبكتاشيّة.

وانطلاقًا مما سبق، فإنّ تكية الدراويش في طرابلس - كسائر التكايا - كانت تشكّل صرحًا دينيًا وتعليميًا رائدًا، إضافة إلى كونها مؤسّسة خيريّة لها مكانتها على امتداد 400 سنة، أي حتى أوائل ستينيات القرن الماضي. إذ توقف النشاط فيها إثر وفاة الشيخ أنور مولوي، آخر المشايخ الذي أشرفوا عليها. ولهذا حملت عائلته لقب "مولوي"، إضافة إلى عائلات أخرى كان لهم الفضل في مسيرتها مثل الدادا وطبيخ الذين كانوا يقومون بإعداد الطعام لنزلاء التكيّة كل يوم جمعة.

ومن أشهر مشايخ المولوية الذين تعاقبوا على التكيّة: الشيخ عبد الجليل السنينيّ الحنفي الطرابلسي، والشيخ أحمد بن مصطفى، والشيخ شفيق بن عبد الحميد، والشيخ حسين المولوي...

لقد أفرزت تكيّة الدراويش ثروة كبيرة في علوم الدين وفي الأدب، نثرًا وشعرًا، وفي الفلسفة، وحتى في الشأن السياسي وقتها. ونظرًا لأهمية دورها، أوقف لها والى طرابلس يوسف باشا، بعد سنة من بنائها ،خان العسكر بكامل عائداته، للإنفاق على شيوخ المولوية والمريدين والأتباع والفقراء والدراويش عابري السبيل، لتأمين المأكل والمشرب والمسكن لهم.



قراءة المقال الكامل على ويكيبيديا ←