ماذا تعرف عن تاريخ الدعوة الوهابية

الدعوة النجدية أو الدعوة الوهابية أو دعوة محمد بن عبد الوهاب، والتي عُرفت لاحقًا في بعض المصادر بالوهابية، هي حركة إصلاحية دينية نشأت في نجد مطلع القرن الثامن عشر الميلادي، تتسم بطابع سلفي وتجديدي، وقد أطلق أتباعها على أنفسهم اسم الموحدون (Muwahhidun).

أسس هذه الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (1703–1792م / 1115–1206هـ)، وكان فقيهًا نجديًا شابًا دعا إلى تجديد العقيدة الإسلامية، ونبذ ما اعتبره من مظاهر الشرك والبدع، خاصة ما تعلق بـالتوسل بالأولياء وزيارة القبور والاستغاثة بغير الله، مع التشديد على مفهوم توحيد الألوهية. وقد قامت دعوته على الالتزام بـالقرآن والحديث، وإحياء الاجتهاد كأداة لتجاوز الجمود التقليدي.

وفي إطارٍ تحالفي قبلي-ديني، عقد محمد بن عبد الوهاب مع الأمير محمد بن سعود، زعيم الدرعية، تُعطي للدعوة بعدًا سياسيًا ممتدًا، حيث نصّت على أن يكون لآل سعود الحماية، ولآل عبد الوهاب الهداية، وأن يترتب على هذا التحالف "الملك والتمكين في الأرض"، كما ورد في عبارات نصّية تُؤسّس لفكرة الدولة الدينية ذات الشرعية التوحيدية.

تميزت هذه الحركة ببعدها المناطقي المرتبط بـنجد، وبخطابها الديني الصارم الذي يعيد رسم العلاقة بين الدين والسياسة على أساس الإمارة المتدينة، التي تجعل من الشريعة مصدرًا وحيدًا للتشريع، ومن الإمامة وظيفة شرعية، لا مجرد زعامة قبلية. كما وظّفت الدعوة مصطلحات ذات جذر قرآني وفقهي متين، مثل: "التمكين"، "الجهاد"، "التوحيد"، و"البراءة من الشرك".

في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، قارن عدد من المؤرخين ودبلوماسيون ورحالة أوروبيين بين الدعوة النجدية (التي سُمّيت لاحقًا بالوهابية) وبين حركات اجتماعية وسياسية غربية نشأت خلال عصر الثورات. فقد شبّه بعضهم هذه الحركة بحركات الإصلاح الديني البروتستانتي، واعتبروها ثورة عربية أصيلة ضد الهيمنة العثمانية وضد ما اعتبروه انحرافات صوفية.

وصف جون لودفيغ بوركهارت، المستشرق السويسري ومؤلف كتابيّ Travels in Arabia (سنة 1829) وNotes on the Bedouins and Wahábys (سنة 1830)، أتباع الموحدين بأنهم أهل نجد من العرب المحليين الذين قاوموا "التكتيكات النابليونية" للهيمنة العثمانية، وسعوا إلى استرداد الاستقلال الديني والسياسي لجزيرة العرب.

أما لوي ألكسندر كورانسز في كتابه Histoire des Wahabis فقد قدّم الحركة بوصفها ثورة آسيوية تستهدف إحياء الحضارة العربية، من خلال إنشاء نظام جديد في جزيرة العرب، وتطهير المعتقدات من الخرافات والشركيات، التي تسلّلت عبر الغلو الصوفي والاختراقات التركية والأجنبية.

كما أرجع المؤرخ الإسكتلندي مارك نابيير نجاحات الثورة النجدية إلى "تدخلات متكررة من العناية الإلهية"، في إشارة إلى ما اعتبره توفيقًا إلهيًا في دعم مسار الدعوة وانتشارها.

لعبت الدولة السعودية الأولى (1744–1818م) دورًا محوريًا في ترسيخ الدعوة النجدية وتحويلها من حركة إصلاح ديني محلية إلى مشروع سياسي-اجتماعي واسع. فمنذ ميثاق الدرعية، تأسس تحالف قائم على العقيدة والسيف، حيث تولّت الدولة حماية الدعوة، وتكفّل العلماء بنشر مبادئها بين القبائل. وقد أسهم هذا التحالف في إعادة تنظيم البنية القبلية في نجد، من خلال دمج الولاء الديني بالولاء السياسي، وربط الزعامة القبلية بمفاهيم الطاعة والجماعة، بدلًا من العصبية المجردة. كما ساعدت الحملات العسكرية التي قادها آل سعود على إخضاع المناطق المتفرقة في نجد ثم توسعهم في جميع مناطق الجزيرة العربية، وتوحيدها تحت راية الدعوة، مما مهّد لنشوء مفهوم جديد للسلطة بين القبائل يرتكز على التوحيد كمصدر للشرعية.

مع توحيد المملكة العربية السعودية في القرن العشرين، انتقلت الدعوة النجدية من إطارها الدعوي المحلي إلى فضاء سياسي دولي، وأصبحت المرجعية العقائدية الأساسية للدولة السعودية الحديثة. وبذلك، تحوّلت من حركة إصلاح ديني إلى منظومة حُكم ذات قاعدة شرعية، جمعت بين السيف والعقيدة، والسلطان والبيان.

وقد مهّد هذا التأسيس السياسي إلى بسط النفوذ النجدي على مدن الإسلام الكبرى، مثل مكة والمدينة المنورة، حيث أصبحت تحت سيطرة الدولة السعودية، التي أولت تلك المدينتين مركزية دينية وجغرافية في إطار مشروعها التوحيدي.

بعد اكتشاف النفط في ضواحي موانئ الخليج العربي سنة 1939، دخلت السعودية مرحلة اقتصادية جديدة، حيث تدفقت عليها مداخيل تصدير النفط لتصل إلى مليارات الدولارات. وقد وُجّه جزء معتبر من هذه الثروات إلى دعم المؤسسات الدينية والتعليمية، وطباعة الكتب، وإنشاء الجامعات، وبناء المساجد، وتقديم المنح الدراسية، وإطلاق البرامج الإعلامية، وتوظيف العلماء والدعاة في الداخل والخارج.

هذا التوظيف الاستراتيجي للثروة النفطية منح الدعوة النجدية الوهابية "مكانة عليا متفردة" ضمن منظومة الإسلام الأممية، وجعل من مفاهيمها الفقهية والتربوية والاجتماعية مرجعًا عامًا يُستحضر في البيئات السنية حول قارات العالم.

قراءة المقال الكامل على ويكيبيديا ←