إتقان موضوع الزواج عند العرب في الجاهلية

شهدت منظومة الزواج في المجتمع العربي قبل الإسلام (العصر الجاهلي) تنوعاً واسعاً وتعدداً في أشكال العلاقات الزوجية والروابط الأسرية، حيث خضعت هذه المنظومة للظروف الاقتصادية، والطبقية، والأعراف القبلية السائدة في شبه الجزيرة العربية. ولم يكن للعرب نظامٌ موحدٌ يحكم العلاقة بين الرجل والمرأة؛ بل تعايشت ممارسات متعددة تراوحت بين عقود قران رسمية تعتمد على الخطبة والمهر، وبين علاقات وراثية، وتبادلية، أو انتقائية ارتبطت بأهداف اجتماعية مثل تحسين النسل، أو الفخر بالصفات الجسدية، أو مواجهة الأزمات الاقتصادية كالقحط والفقر.

تُصنف المصادر التاريخية والحديثية أنكحة الجاهلية إلى فئتين رئيستين؛ الأولى تضم الأنكحة القائمة على صيغ عقود متعارف عليها قبلياً، ومن أبرزها: "نكاح البعولة" (الخطبة والمهر)، و"نكاح الضيزن" (المقت) القائم على وراثة الابن لزوجة أبيه، إضافة إلى الأنكحة التبادلية مثل "الشغار" و"البدل". أما الفئة الثانية، فتضم ممارسات كانت تُصنف في المنظومة الأخلاقية لبعض القبائل كشكل من أشكال السفاح أو البغاء المقنن، ومنها: "نكاح الاستبضاع" بغرض نجابة الولد، و"نكاح الرهط" (المشاركة)، و"المضامدة" المرتبطة بالحاجة الاقتصادية، و"المخادنة" (اتخاذ الأخداد) السري، إلى جانب ظاهرة "صواحب الرايات".

عن عائشة بنت أبي بكر "أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته، فيصدقها ثم ينكحها، ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع. ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومر عليها ليالي بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع به الرجل، ونكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة، لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها، ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به، ودعي ابنه، لا يمتنع من ذلك، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالحق، هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم".

"وفي حديث عليّ بن أبي طالب، لما طلب إليه أهل الطائف أن يكتب لهم الأمان على تحليل الزنا والخمر، فامتنع، قاموا ولهم تَغَذْمُرٌ وبَرْبَرة"٤، من شدة غضبهم ونفورهم من هذا التحريم. وسألت هذيل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يحلّ لها الزنا، فقال حسان في ذلك: (سألت هذيل رسول الله فاحشة ... ضلّت هذيل بما سالت ولم تصب).

ومن أشهر البغايا في الجاهلية ظلمة الهذلية، وُصفت في كتب المأثورات الشعبية والأمثال بأنها كانت صبية في الكُتّاب تُحدث جلبة وتضرب دوي الصبيان. فلما شبت امتهنت الزنا والبغاء، ولما كبرت في السن أصبحت "قوادة" تدير هذه الممارسات لغيرها من النساء. يذكر المأثور التاريخي عنها أنها لما عجزت تماماً وقعدت بكبر سنها عن ممارسة أي شيء، اشترت تيساً وعنـزاً وجعلتهما عندها في المنزل لتنزيهما (أي لتشاهد عملية نكاح التيس للعنزة) كبديل تملأ به وقتها عما عجزت عن فعله بموجب شيخوختها. فضرب بها المثل فقيل: "أقود من ظلمة".

قال جعفر بن ابي طالب في خطبته امام النجاشي «أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف. فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام».

قراءة المقال الكامل على ويكيبيديا ←