ظهرتِ الإمارات الكُرديّة في العصرِ الإسلاميّ بوصفِها كيانات حُكم وراثيّة شبهِ مُستقلّة في مناطقَ مختلفة من كُردِستان، تمتّعت باستقلال إداريّ وعسكريّ تحت حكم «مير» مع اعتراف اسميّ بسيادةِ الدول الإسلاميّةِ الكبرى المتعاقبة، مثلَ الخلافةِ العبّاسيّة ثمّ السلاجقة ولاحقًا الصفويّين والعثمانيّين. استمرّت هذه الإمارات قائمة لأكثر من عشرة قرون، وبَرزت منها بعض السلالات الإسلاميّة التي امتدّ نفوذها خارج كُردستان. هذه الإمارات لم تمثل بالضرورة نموذجًا “قوميًّا” بوعي سياسيّ حديث بل كانت في الغالب أنماطَ حُكم محلّيّة تشكّلت في إطار قبليّ.
تعد الإمارة الداسنيّة التي أُسِّست في أوائل القرن العاشر الميلادي من الإمارات الكُرديّة المبكرة إلى جانب المروانيّين في آمد (ديار بكر) والشدّاديّين في جنوب القوقاز، كما برز الهذبانيّون وظهر منهم عدة إمارات وسلالات كُرديّة من بينها السلالةُ الأيوبيةُ التي مثلت ذروةَ التوسعِ الكُرديِّ الإسلاميِّ. ولاحقاً حظيت بعضُ تلك الإمارات باعترافٍ من الدولة الصفويّة مما منحها مستويات مختلفة من الاستقلالية مع تبعية رمزية. وفي العصر العثماني أضافت إمارات مثل بابان وسوران وبوطان وبرادوست الطابع الرسمي على الحكم الذاتي عبر اتفاقيات القرن السادس عشر حيث تولت الدفاع عن الحدود مقابل إدارة شؤونها المحلية، واستمرّ حكمها حتى أواخر القرن التاسع عشر قبل أن تُدمج تدريجيًا في الدولة العثمانيّة.
حافظت هذه الإمارات على استمرارية اللغة والثقافة الكُردية من خلال رعايتها للأدب والشعر وتأليف التاريخ كما في عمل أمير إمارة بدليس شرف خان البدليسي المعروف بـ “شرفنامه” الذي تناول تاريخ هذه الإمارات، ورغم هذا الدور الثقافي فإن الطابع اللامركزي لتلك الإمارات حال دون تشكّل وحدة سياسية بينها ما جعلها عرضة لإصلاحات الدولة العثمانيّة في القرن التاسع عشر المعروفة بـ “تنظيمات” التي ركّزت على ترسيخ الإدارة المركزية وقمع السُلطات المحليّة عبر حملات عسكرية ضد قادة مقاومين مثل بدرخان بك أمير إمارة بوطان، الذي برز كقائد في أربعينيات القرن التاسع عشر محاولًا توحيد القوات الكُرديّة ومقاومة نفوذ العثمانيّين، غير أنه هُزم بفعل قوة الجيش العثماني إلى جانب العوامل الداخلية. ويُعد بدرخان بك بحسب بعض المصادر وكتاب التاريخ نموذجًا لصراع الكيانات المحلية ضد مركزية الدولة في طورها المتجدد، ولا يزال إرث هذه الإمارات محل نقاش تاريخي إذ لعبت ذكراها دورًا في تشكيل خطاب قومي كُردي مستقل عن الإطار التركي خاصة بين النخب الكُردية في المهجر والشرق الأوسط بعد انهيار الدولة العثمانيّة.